اجتماع الدوحة.. جولة حاسمة لإعادة هيكلة مسرح الطاقة العالمي

تعكس تصريحات المسؤولين الروس خيبة أمل كبرى من نتيجة اجتماع الدوحة لكبرى الدول المصدرة للنفط التي لم تكن في صالح موسكو، التي عقدت آمالا على أن يخرج هذا الاجتماع باتفاق لتثبيت أسعار النفط يساعدها على تعويض الخسائر الكبيرة التي تكبدها اقتصادها مقارنة بدول الخليج التي تمتلك احتياطات كبيرة جنّبتها حدوث نتائج سلبية.
الثلاثاء 2016/04/19
إما أن يتجمد إنتاج النفط أو يتجمد الاقتصاد الروسي

تنذر التغييرات في السوق النفطية بالعديد من التقلبات والاختلافات بين الدول الأعضاء وغير الأعضاء في منظمة أوبك. وتأكّد هذا الأمر أكثر بعد انهيار اتفاق لتثبيت إنتاج النفط بين الدول المنتجة في أوبك وخارجها إثر اجتماعها في الدوحة الأحد 17 أبريل 2016.

وتجددت مخاوف قطاع النفط من حرب على الحصة السوقية بين كبار المنتجين لا سيما بعد أن هددت السعودية، أكبر منتج في أوبك، بزيادة كبيرة في الإنتاج في حالة عدم التوصل إلى اتفاق. وقد أبلغت السعودية الحاضرين، بأنها ترغب في مشاركة جميع أعضاء أوبك في اتفاق التجميد بما في ذلك إيران التي غابت عن المحادثات.

ويقول الخبراء إن اجتماع الدوحة هو جولة أولى لعدة اجتماعات مقبلة تأخذ على عاتقها إعادة هيكلة مسرح الطاقة العالمي. ويبرز ذلك من خلال تصريح وزير الطاقة القطري محمد السادة حين قال للصحافيين في الدوحة "نحتاج جميعا إلى الوقت من أجل المزيد من التشاور".

ولا شكّ أن وضع سوق الطاقة حاليا أصبح يختلف كثيرا على الوضع السابق، وذلك بسبب المتغيرات الإقليمية وسياسات التعامل معها والتي تزامنت مع تحولات تشهدها صناعة النفط العالمية، خاصة في ظل تصاعد إنتاج النفط الصخري المحصور في كل من الولايات المتحدة وكندا والبرازيل منذ العام 2012، حيث سارعت الشركات الكبرى إلى الاستثمار فيه بغية تحقيق أرباح عالية بفعل تداعيات الربيع العربي على تراجع الإنتاج في العراق وليبيا.

لماذا يقع على عاتق دول الأوبك تحمل مسؤولية استقرار الأسعار بينما لا تتحمل الدول المنتجة غير الأعضاء نصيبها من المسؤولية

وقد دفعت هذه التأثيرات في اتجاه المزيد من الإنتاج إلى نحو 3.4 مليون برميل يوميا في 2014 عندما قررت البنوك والمؤسسات المالية الأميركية تقديم العديد من القروض (200 مليار للشركات التي تريد الاستثمار في التنقيب واستخراج النفط الصخري). ولكن بالرغم من أن حجم الإنتاج الحالي لا يتجاوز 10 بالمئة، فإنه لم يعد يحقق الربح المتوخى، على الرغم في التقدم الحاصل في تطوير آليات وتقنيات الاستخراج.

لذلك، فإن إعادة رسم خارطة الطاقة العالمية تفرض في الوقت الحالي إعادة توزيع أدوار بين المنتجين الكبار، وذلك لتمكينهم من الحصول على أوراق كافية للتأثير في أسواق النفط العالمية، فمنذ شتاء 2015-2016 تراجعت الأسعار بشكل كبير، ووصلت إلى أقل من 30 دولارا في يناير 2016، بينما كانت قد وصلت إلى 110 دولارات في يوليو 2014، حيث يمكن حصر هذه العوامل كالتالي:

* أولا، تخمة غير مسبوقة في الإنتاج النفطي الصخري في الولايات المتحدة، ويمكن قياس حجمه بإنتاج يوازي إنتاجا جديدا كبلد في حجم النرويج كل عامين. وهدف هذا التدافع المحموم نحو النفط الصخري هو التقليل من اعتماد واشنطن على الخارج بصفة عامة والخليج العربي بصفة خاصة.

* ثانيا، نسبة نمو ضعيفة على الطلب في العديد من بلدان منظمة التعاون والتنمية، خاصة في بلدان الاتحاد الأوروبي واليابان، وانكماش الاقتصاد الصيني بدوره أيضا.

* ثالثا، بروز اختلافات حادة في دول الأوبك، نجم عنها غياب مبادرات الدول المنتجة لاحقا. ويضاف إلى ذلك عدم معالجة الأوبك لنظام الحصص وتحديد الأسعار، مما انقلب على المنظمة ودورها.

والواقع أن اتساع حجم الإنتاج، يجعل المملكة العربية السعودية مصرة على عدم تحمل الثقل لوحدها، فهي تريد الحفاظ على حصتها في السوق قبل الأسعار، وذلك من منطلق أن "السوق سيد نفسه". وفي هذا السياق، يجب أن تتحمل الشركات الأميركية دور المنتج الهامشي، والقيام بتقويم عرضها بما يناسب. وهذا في الوقت الذي استطاعت فيه الدول العربية أن تحقق تراكما مهما لمعالجة الأزمات الظرفية التي كانت تمر بها الأسواق الدولية بين الفينة والأخرى (الأزمة المالية في العام 2008، حروب، إعصار خليج المكسيك)، وتحافظ على قدرتها كصمام أمان عندما تعطلت الطاقة الإنتاجية في أميركا.

فاليري جولوبيف: فشل الاتفاق بشأن تثبيت إنتاج النفط قد يتمخض عن سيناريوهات لا يمكن التنبؤ بها

وبالمقابل، تطرح هذه السياسة سؤالا مفاده، لماذا يقع دائما على عاتق دول أوبك تحمل مسؤولية استقرار الأسواق والأسعار، بينما لا تتحمل الدول المنتجة غير الأعضاء نصيبها من المسؤولية؟ وإلى حد الآن، يمكن القول إن السوق العالمية باتت محكومة بنظام تعايش بين النفط التقليدي وغير التقليدي، بحيث لا يبدو في الأفق أنه ثمة تراجع وانخفاض ملموسين في إنتاج النفط الصخري، وذلك بالرغم من الخسارة المالية التي تعرضت لها شركاته.

ولا يمكن، أيضا، الرهان على تدهور الأسعار النفطية الحالي لوحدها بغية إقناع الدول غير الأعضاء في أوبك بالوقوف عند سقف إنتاج معين، وحتى يستعيد السوق توازنه. بل أعلن البعض بأنه سيدفع في اتجاه رفع إنتاجه لكي يزيد في التخمة الحالية، وذلك من أجل الحصول على سيولة نقدية كتعويض عن الخسارات المالية التي لحقته بفضل العقوبات الدولية. وعلى هذه الجهة تقف إيران التي ترى أن الفرصة مواتية من أجل تحسين نسبة حصصها في السوق.

نتائج وخيمة على روسيا

في تعليقه على نتائج اجتماع الدوحة، صرّح وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، بأنه لا يتوقع تقلبات عنيفة في سوق النفط بعد فشل اجتماع الدوحة في الاتفاق على تثبيت إنتاج النفط. وقال نوفاك، في تصريحات نقلتها وكالة الإعلام الروسية، إن عدم التوصل إلى اتفاق بعد اجتماع الدوحة يخلق فرصا أمام "المضاربين في السوق". وأضاف أن بلاده لم تغلق الباب أمام التوصل إلى اتفاق عالمي لتجميد مستويات الإنتاج رغم شعوره بخيبة الأمل لعدم تبني قرار في اجتماع الدوحة لممثلي الدول النفطية الأعضاء في أوبك وخارجها.

وبدوره قال فاليري جولوبيف، عضو مجلس إدارة شركة غازبروم، التي تحتكر صادرات الغاز الطبيعي في روسيا، إن فشل الدول المنتجة للنفط في التوصل إلى اتفاق بشأن تثبيت إنتاج النفط في الدوحة قد يتمخض عن سيناريوهات لا يمكن التنبؤ بها. وصرح جولوبيف في مؤتمر للطاقة بموسكو "أسفرت محادثات بشأن تثبيت حجم إنتاج النفط عن نتائـج لـم تكن متوقعة على الإطلاق".

ولا شكّ أن إعادة رسم معالم خارطة الطاقة بفعل الأزمة الحالية، تلقي بثقلها الخاص على روسيا، حيث لم تتحسّب موسكو جيدا لثورة النفط غير التقليدي وانتقال أميركا من مصاف الدولة المستوردة إلى المُصدرة في بضع سنوات قليلة. هذا في الوقت الذي تعاني من تراجع الطلب الأوروبي وشروط الاستثمار التي تواجه شركاتها تحت طائلة العقوبات الدولية، وضرورة تطابق نموذج غازبروم مع القوانين الأوروبية، فضلا عن استغلال أمن الطاقة على المستوى الدولي في لعبة الصراعات القائمة.

ومع ذلك، لا تصب عودة إيران إلى السوق النفطية في صالح تعزيز المصالح الروسية، فإذا كانت موسكو استفادت من مسلسل تفاوض إيران الطويل مع الغرب، فإن التقارب الأخير يمكن أن يضعف هيمنة روسيا على مبادلات الطاقة مع أوروبا، حيث تقع إيران في مفترق الأسواق النفطية العالمية الكبرى، وبالقرب من بحر قزوين، ويمكن أن تشكل منفذا جغرافيا لتصدير بتروله، مما يضاعف من حذر الكرملين في ظل رفع العقوبات الاقتصادية على طهران، وتهديدها مكانة روسيا في السوق الأوروبية.

ويبدو أن موسكو استوعبت الدرس جيدا بعد أن تم إقصاؤها من خط أنابيب (باكو- تبيليسي- سيهان) الذي تم بناؤه في 1999-2005 لتصدير نفط بحر قزوين لصالح الشركات الغربية الكبرى عبر ميناء سيهان التركي. ويضاف إلى ذلك، تدهور العلاقات الروسية – التركية منذ خريف 2015، مما عصف بكل المشاريع المبرمجة بين موسكو وأنقرة، إذ بعد التخلي عن خط أنابيب غاز (South Stream) في ديسمبر 2014، بادرت شركة غازبروم الروسية إلى إطلاق (Turkish stream) الذي كان من المفترض بعد عبوره للبحر الأسود أن يستمر في الجزء التركي الأوروبي نحو اليونان.

غير أنه بعد صخب الإعلان عنه بداية 2015 من روسيا، تم التراجع عنه بفعل حجم المشاكل التقنية واندلاع الأزمة السياسية في تركيا على ضوء نتائج الانتخابات البرلمانية في يونيو 2015، وعدم الاتفاق على سعر الغاز. ثم كان لإسقاط الطائرة الروسية سوخوي 24، أثر كبير في تجميد وزير الطاقة الروسي لكل المشاريع.

التأثير السعودي

ملامح خارطة الطاقة الجديدة تلقي بثقلها على روسيا

مصالح وخصوصية ملف الطاقة الروسي تدفعان اليوم القيادة الروسية إلى تفاعل خاص مع أوبك، ساعية بذلك إلى البحث معها عن كيفية بديلة للتأثير في أسعار البترول، وبالتالي في سعر الغاز. وهي بذلك تنتهج سياسة المسابق الحر للتأثير في أوبك، كما أنها تتبع سياسة تعظيم إنتاجها، مما يسمح لها في حالة وجود فائض كبير في السوق النفطية التأثير في أسعار البترول، ومن ثمة عليها أن تتبنى رؤية واضحة من سياسة أسعار الأوبك، بحيث توزعت رؤيتها بين سياستين: السياسة الأولى تبنتها شركاتها الخاصة التي تريد الرفع من الإنتاج على المدى القصير لتثمين قيمة الأصول.

وهي سياسة تجد صداها عند بعض المسؤولين، لكنها تعارضت في بعض الأحيان مع سياسة الأوبك. أما السياسة الثانية، فيتبناها جزء مهم من دوائر القرار الروسي، وخاصة من شركة غازبروم التي تحبذ سياسة السعر المرتفع، وتدفع نحو التعاون مع أوبك. إذ لا تمانع القيادة الروسية (16 فبراير 2016) في التقليص من الإنتاج شريطة أن تفعل ذلك الشركات الروسية نفسها، لكن هذه الرؤية تواجه اعتراضا كبيرا من طرف شركة روزنفت الشركة البترولية الروسية الثانية من حيث الأهمية. ولذلك، لا تستطيع روسيا بسبب حاجياتها المالية ورهاناتها الماكرو اقتصادية الحالية، أن تتحمل خوض حرب تدبير الأسعار أو تدنيها على المدى الطويل، فهي لا تتوفر على هامش كالسعودية يمكنها من أن تلعب دور المورد الإضافي، لأن ذلك يقتضي أن تملك القدرة على الإنتاج غير المستعمل والرفع أو التخفيض من إنتاجها بسرعة عندما يفرض السوق ذلك. فالسعودية لديها القدرة على التأثير في العرض بسبب الهامش الذي تتوفر عليه في الإنتاج.

ويدرك القادة الروس أن مستقبل السياسة الروسية النفطية مرتبط بالدفاع عن أسعار مقبولة، وبالتالي ليس من مصلحتها التعارض مع أوبك. لذلك تبحث روسيا عن تقارب جديد منذ يناير 2016 مع المملكة العربية السعودية، لأن سياسة المنافسة حول الأسعار بينهما لم تعد تجدي، ومن مصلحة روسيا إبرام اتفاق شامل يدعم الأسعار، فالسعودية بإمكانها أن تتحمل لوقت طويل عائدات منخفضة من النفط.

باحث في جامعة السوربون

7