اجتماع باليرمو حول ليبيا: مبادرات بلا سلام

ليبيا تعيش قصورا عن اجتراح الحلول القادرة على طمأنة فرقاء السياسة والسلاح، وكلما عجزت الإرادات عن الوصول إلى تسويات كلما ازدادت نيران الاقتتال.
الأربعاء 2018/10/17
لن نتعجب إن دعت فرنسا إلى "باريس 2"

يُقال عن المفاوضات إنها الحرب في شكلها البارد، ويُشاع عن التسويات أنّها سقوط الخنادق وسكوت فوهات البنادق، في حين أن التجربة السياسية والميدانية في أكثر من بلد تثبت بأن تكلفة التسويات الواهنة ومسارات سلام الأوهام قد تكون أشدّ وطأة على الأجيال القادمة والتطلعات الاجتماعية والاقتصادية القائمة من الحروب والمعارك.

إنهاء الحروب منوط بالتصوّر الدقيق لمضامين التسوية والسلام وللسلم المجتمعي، وفقط عند اليقين بصواب التصور يكون تقديم التنازلات من كافة الأطراف، وعندها تسمى التسوية سلام الشجعان، فكم من حرب أفضت إلى سلام دائم وكم من تسوية عرجاء فتحت الباب أمام عقود من الاحتراب والاحتقان والفشل الاقتصادي.

من الواضح أنّ ليبيا تعيش مأساة القصور عن اجتراح الحلول القادرة على طمأنة فرقاء السياسة والسلاح وتأمين مصالح وكلاء الخارج، وكلما عجزت الإرادات عن الوصول إلى التسويات كلما ازدادت نيران الاقتتال.

تستعد إيطاليا لتنظيم اجتماع دولي حول ليبيا في جزيرة صقلية من المقرر أن يعقد يومي 12 و13 نوفمبر القادم، وتعكف الدبلوماسية الإيطالية على توزيع الدعوات واستجلاب أعلى قدر ممكن من التمثيل الإقليمي والدولي، وكأن النجاح منوط بالتمثيل الدبلوماسي للحاضرين، لا برغبتهم في إنهاء القتال وفي اشتغالهم على خارطة طريق تجسّد الحد الأدنى من التوافق.

اجتماع باليرمو يأتي عقب أشهر من اجتماع باريس (مايو الماضي) والذي تمكن من جمع الكثير من العواصم والفاعلين الإقليميين والدوليين ولكنّ مخرجاته في توحيد المؤسسة العسكرية والنقدية والنفطية والتوافق على إجراء الانتخابات نهاية العام الجاري بقيت حبرا على ورق.

المفارقة أن اجتماع باريس كان استبدالا غير مباشر، لاتفاق الصخيرات والذي وإن استطاع أن يجمع الفرقاء العسكريين والسياسيين على طاولة واحدة، إلا أن المادة الثامنة منه الخاصة بدور المؤسسة العسكرية وصلاحياتها أفضت إلى فشل المسار الذي كان واعدا عند مؤشراته الأولى.

وبين هذه الحزمة من الاجتماعات، كانت مشاريع التسويات تُقدم من هذا الطرف أو ذاك، فتونس دفعت بخارطة طريق اقترحها الرئيس الباجي قائد السبسي ونالت موافقة الجزائر والقاهرة، والأخيرة عكفت على تقديم ورقة للحوار والتوافق بين بعض الفصائل المسلحة والجيش الليبي، ولكن في المحصلة قصّرت المقاربة التونسية على التوفيق بين الفرقاء، وقصرت الرؤية المصرية عن فتح ثغرة في الاستعصاء المسلح.

ومع هذه المسودات، كانت البعثات الأممية في كل عهدة دولية تجود على الشعب الليبي بوسيط أممي جديد، ورغم الجهود السياسية المعتبرة من بعضهم على غرار السفير غسان سلامة، إلا أنّ تعقيد المشهد وطموحات الفاعلين ومطامع المتربصين بليبيا كانت تحول دون أيّ تقدّم.

صحيح أن كافة المشاريع بُنيت على مقاربة القرارات الدولية وسعت كل مبادرة إلى البناء على سابقتها، ولكنّ الواقع أنّ جزءا معتبرا من التسويات، خاصة منها الإيطالية والفرنسية، كانت من أجل تثبيت قدم في المشهد الليبي وتمكين في جغرافيا الثروات الباطنية وحجز مكان في حصص إعادة الإعمار في بعض الأماكن الهادئة.

بعد أن وضعت روما أكثر من عصا في عجلة اجتماع باريس، تسعى إلى جمع الفرقاء من الداخل والخارج على طاولة واحدة لابتكار تسوية سلمية في ليبيا، ولن نتعجب إن دعت فرنسا إلى “باريس 2″ وهكذا تتالى حلقات الفشل ودائرة توليد الإخفاق.

8