اجتماع تاريخي يسجل عودة المغرب ونهاية عهد دلاميني زوما

تتصدر عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي مناقشات القمة السنوية لهذه المنظمة القارية التي تفتتح أعمالها الاثنين في أديس أبابا، وسيتم خلالها انتخاب رئيس ونائب جديدين لها، وسط تنافس كبير بين الدول المتقدمة بمرشحين نظرا لأهمية هذين المنصبين في الفترة القادمة بالنظر إلى الملفات المطروحة للنقاش والتي تتداخل فيها الإبعاد الاستراتيجية والمصالح المتباينة، وما عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، رغم رفض البعض، وقضية سد النهضة بين مصر إثيوبيا إلا مثالان على تلك القضايا الجدلية، إلى جانب الموقف من المحكمة الجنائية الدولية وعدد كبير من الأزمات في القارة أيضا، مثل الفوضى في ليبيا، والمجموعات الجهادية في مالي والصومال ونيجيريا، والتوترات السياسية في جمهورية الكونغو الديمقراطية. ومن المتوقع أن يكون موضوع الحرب في جنوب السودان في صلب الاهتمامات مجددا.
الأحد 2017/01/29
قرقعة النزاعات تغطي على معاناة أصوات المستقبل

ملفات عديدة على جميع الأصعدة، السياسية والاقتصادية والأمنية، ستكون على أجندة مناقشات القادة والزعماء الأفارقة، في قمتهم الثامنة والعشرين، التي تستضيفها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا يومي 30 و31 يناير الجاري. وكانت أعمال القمة بدأت على المستوى الوزاري، ومتوقع أن يحضرها 37 رئيسا أفريقيا، علاوة على ممثلي 25 منظمة إقليمية ودولية، وتقام تحت شعار “الاستثمار في الشباب”.

ستكون عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، من أهم الملفات التي تتناولها القمة. وثمة مؤشرات عديدة أعطت انطباعا بأن عودة المغرب ستمثل إضافة نوعية في العمل الأفريقي. وأكد صلاح الدين مزوار، وزير الخارجية المغربي، أن بلاده حصلت على موافقة حوالي 40 دولة من أصل 54 دولة، وهو ما يمنح المغرب النصاب القانوني للعودة.

لكن وجود مناوئين للمغرب داخل الاتحاد، وعلى رأسهم الجزائر، قد يجعل العودة المغربية محفوفة بالصعوبات والشد والجذب، وهي عودة مرجّح أن تكون لها انعكاسات على دور المنظمة الإقليمية والدول العربية الأعضاء فيها، في مرحلة تجتاز فيها القارة السمراء تحديات أمنية وسياسية كثيرة.

ومثلما كانت أديس أبابا المحطة التي أعلن منها المغرب انسحابه من منظمة الوحدة الأفريقية، خلال مؤتمرها بأديس أبابا عام 1984، احتجاجا على قبول عضوية جبهة البوليساريو، من المتوقع أن تكون أديس أبابا المنصة التي يتوّج منها المغرب دوره في دعم التعاون جنوب جنوب بعودته إلى الاتحاد الأفريقي.

وأشار مراقبون لـ”العرب” إلى أن إثيوبيا، سوف تشكل واحدا من المفاتيح الرئيسة، التي يعتمد عليها المغرب في رحلة العودة للاتحاد، حيث كانت أديس أبابا حلقة أساسية في سلسلة من المبادرات والتحركات التي قام بها المغرب في العامين الأخيرين، لتأمين عودته إلى الحضن الأفريقي.

هناك عدد لا نهائي من البرامج التي تم الاتفاق عليها في القمم السابقة، إلا أنها دائما ما تصطدم بواقع العلاقات المتوترة للبلدان الأفريقية والحسابات المتباينة بين أنظمتها الحاكمة

النصيب الأكبر للنزاعات

على الرغم من أن الموضوع الرئيس المدرج على جدول أعمال القمة، يركز على”تسخير العائد الديموغرافي من خلال الاستثمار في الشباب”، إلا أن النزاعات المسلحة في البعض من دول القارة سوف تشغل حيزا كبيرا من المناقشات، بالإضافة إلى التعرض لموضوعات تم تأجيلها في القمة الماضية، التي عقدت في كيغالي عاصمة رواندا، وأكثرها له علاقة بالهيكل التنظيمي للمنظمة الأفريقية والانتخابات الداخلية، وبحث مسألة التمويل، وغيرها من الأمور الفنية الخاصة بالكيان الذي يعتبر أحد سمات العمل الأفريقي المشترك.

وكغيرها من القمم الأفريقية السابقة، تعقد قمة إثيوبيا في وجود نفس الظروف العربية والأفريقية، من حيث تراجع معدلات الاستقرار في معظم دول القارة، مع محاولات عربية أفريقية لاستدعاء فترة التعاون والتنسيق خلال الحقبة الاستعمارية، والتي شهدت قمة العمل المشترك بين الطرفين، حتى نالت معظم دول القارة استقلالها، والبناء عليها لمواجهة التحركات الإقليمية للاستفراد بالقارة السمراء.

وأعرب البعض من المتابعين للشأن الأفريقي عن عدم تفاؤلهم بشأن النتائج المرجوّة من قمة أديس أبابا، وأشاروا إلى أن هناك مسافة بين البرنامج الرسمي لها وبين تطلعات الشعوب العربية والأفريقية.

وقالت الباحثة السودانية رشا عوض لـ”العرب”، إنه من المعروف أن هناك عددا لا نهائيا من البرامج التي تم الاتفاق عليها في القمم السابقة، إلا أنها دائما ما تصطدم بواقع العلاقات المتوترة للبلدان الأفريقية والحسابات المتباينة بين أنظمتها الحاكمة.

ودللت على ذلك بأنه مع وجود آليات أفريقية إلا أنه تم الاتفاق عليها لوضع حد لهذه النزاعات، لكن الوضع المضطرب في معظم دول القارة مازال مستمرا.

على خلاف تلك الرؤية، فإن ثمة من يرى في الاتحاد الأفريقي أحد سمات العمل المشترك الذي يمكن الاعتماد عليه في إحداث اختراقات مهمة في العلاقات الأفريقية الأفريقية، حتى لو تم ذلك بشكل متدرّج، مع الوضع في الاعتبار الحساسيات القائمة.

وينظر أيمن شبانة إلى الاتحاد الأفريقي من زاوية أنه كيان – برغم حداثته- إلا أنه استطاع اتخاذ العديد من الإجراءات الملزمة، وكان آخرها موقفه من العملية الدستورية في غامبيا، التي انتهت إلى الإطاحة بالرئيس يحيي جامع، بالإضافة إلى مواقف الاتحاد مع البعض من الدول، من بينها مصر في فترة ما بعد الربيع العربي، حيث تم تجميد عضويتها وأعادها الاتحاد مرة أخرى.

يتضمن جدول أعمال هذه القمة انتخاب خلف لدلاميني زوما على رأس مفوضية الاتحاد الأفريقي. ويتنافس خمسة مرشحين على منصب رئاسة المفوضية وهم: وزراء خارجية تشاد وكينيا وبتسوانا والسنغال وغينيا الاستوائية، وسط غياب واضح ومؤثر لمرشحين عرب. وكانت قمة كيغالي أجّلت انتخابات رئيس المفوضية إلى القمة الحالية.

وشهدت أروقة الاتحاد الأفريقي احتداما في سباق الفوز بمنصبي رئيس المفوضية ونائبه، على هامش اجتماعات المجلس الوزاري الذي يشارك فيه 49 وزير خارجية من البلدان الأعضاء البالغ عددها 54 دولة.

ومن المنتظر أن يتمّ بحث إعادة هيكلة مفوضية الاتحاد الأفريقي، وتقديم تقرير عن الإصلاحات المطلوبة فيها، ومعالجة مختلف القضايا المتعلقة بالأداء المؤسسي لها، بما فيها آليات الانتخابات الداخلية، وتقسيم العمل بين رئيس المفوضية ونائبه، وصولا لإدارة الفعالة للمنظمة.

قضايا ملحة على أجندة القمة
ملف عودة المغرب

قضية سد النهضة

بحث مسألة الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية

بحث الأزمة الليبية

انتخاب رئيس ونائب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي

معضلات العمل المشترك

كشفت مصادر دبلوماسية لـ”العرب”، أنه على رأس القضايا والموضوعات الملحة على أجندة هذه القمة -إلى جانب ملف عودة المغرب- قضية سدّ النهضة، وبحث مسألة الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية انتقادات بعدم حياديتها، بالإضافة إلى بحث الأزمة الليبية، التي تتقاطع بشكل مباشر مع بعض دول الجوار الأفريقي، وتعتبرها تلك الدول سببا مهما في تصدير الاضطرابات إلى الداخل الأفريقي، بسبب فوضى الأمن وعدم السيطرة على الحدود، ما وفّر مساحة من حرية الحركة للجماعات المتمردة والمسلحة.

وتوقعت المصادر أن تقوم مجموعة دول الجوار الليبي، بعرض نتائج الاجتماع العاشر لها، والذي تم إجراؤه في القاهرة قبل أيام،على القمة الأفريقية، لمناقشتها ومحاولة تمريرها كتوصية، عند مناقشة الملف الليبي، خاصة وأن هناك إجماعا من الجزائر وتونس ومصر على مخرجات هذا الاجتماع الأخير.

وقال عبدالحفيظ غوقة، مستشار رئيس مجلس النواب الليبي، إن البيان الختامي للقمة، من الضروري أن يتضمن جعل الحلّ في أيدي الليبيين أنفسهم دون تدخل في الشؤون الداخلية، وعدم فرض أيّ حلول على الليبيين، بل يجب أن يأتي الحل منهم هم أنفسهم في إطار حوار يتم فيه إشراك جميع الأطراف الليبية المعنية.

وتوقع متابعون أن تشهد القمة لقاء بين زعماء مصر والسودان وإثيوبيا، للتأكيد على روح الودّ والتعاون بينهم والتواصل المستمر، لكن سيكون لقاء دبلوماسيا بالدرجة الأولى لتوطيد العلاقات.

وقال محمد نصر علام، وزير الري المصري الأسبق، لـ”العرب”، إن هذا اللقاء -لو تم- سيشهد تطمينات متبادلة من الأطراف الثلاثة (مصر-إثيوبيا-السودان) بشأن السدّ، مع التأكيد على أنّ التحركات المصرية في أفريقيا لا تستهدف أيّ ضرر لإثيوبيا، وعرض آخر التفاصيل التي توصلت إليها المفاوضات بشأن السدّ.

وتحدث إبراهيم غندور وزير الخارجية السوداني، عن قرار اللجنة الوزارية الأفريقية المعنية بالمحكمة الجنائية الدولية، المتعلق بالإنفاذ الكامل لاستراتيجية الانسحاب الجماعي من المحكمة.

وأشار إلى أنه سيتم خلال قمة أديس أبابا، بحث أسباب انسحاب بعض الدول الأعضاء منها خلال الأشهر الأخيرة، وكانت حكومة جنوب أفريقيا، قد أبلغت الأمم المتحدة انسحابها من المحكمة، كما انسحبت غامبيا، وأقرت بوروندي في نفس الفترة قانونا ينصّ على الانسحاب.

في كل الأحوال، سيظل استمرار الصراعات والتوترات والنزاعات في أنحاء مختلفة من القارة الأفريقية، واحدا من معضلات العمل المشترك، والتي يمكن أن تؤثر على كثير من التوجهات الإيجابية الساعية إلى توفير درجات عالية من الهدوء والاستقرار، ولعل في تهديدات بعض دول الاتحاد الأفريقي بتصويب مسار العملية الديمقراطية في غامبيا مؤخرا، مؤشرا لمزيد من التعاون وتفعيل الآليات المتعددة للاتحاد، ووضع حدّ لحالة الفوضى التي شملت بعض دول القارة.

كاتب مصري

4