اجتماع في موسكو في غياب المدير

السبت 2015/01/17

بكثير من الفوقية والعنجهية، حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ممثلي المعارضة السورية من عدم المشاركة في محادثات مزمع عقدها في موسكو تجمع المعارضة بممثلين عن النظام، وقال إنهم سيخاطرون بفقدان تأثيرهم في عملية محادثات السلام، موحيا بأن روسيا هي الآمرة الناهية، وهي الموزعة للأدوار في المنطقة وفي مختلف بقاع العالم.

الوزير الروسي الذي وجّه الدعوات للمعارضة السورية لحضور لقاء إشكالي حساس بلا برنامج ولا أسس ولا أهداف، هدد المعارضة السورية بقليل من الدبلوماسية، ولم يبق أمامه إلا أن يلوّح بالعصا لهم، لتغيبهم عن الدرس، موحيا برسوبهم في الامتحان وإبعادهم عن المدرسة أو حرمانهم من المكافأة.

صحيح أن روسيا بلد كبير وهام على المستوى الدولي والشرق أوسطي تحديدا، إلا أن الدبلوماسية الروسية، وربما القيادة الروسية، لم تع أنها ليست الآمر الناهي، ولم تعد روسيا القيصرية ولا روسيا البلشفية ولا الستالينية، ولن تكون وريثة المستقبل.

خانت الأفكار رأس الدبلوماسية الروسية فيما يتعلق بالأزمة السورية، فأخطأ في موضعين، لتضاف هذه الأخطاء لسلسلة الأخطاء التي مارستها السياسة الروسية تجاه الأزمة السورية طوال أربع سنوات، ليس آخرها خسارة علاقة بناءة استمرت عقودا بين شعبين، مفضلا علاقة مع نظام قابل للحياة والموت كما كل أنظمة العالم. خطأ السياسة الروسية الأول هو الدعوة لاجتماع المعارضة مع النظام لحوار دون أجندة من أجل التلاعب بالأولويات ومعايير الحل، ولقاء دون أسس في محاولة لتغيير قواعد اللعبة، ومواجهة لن تؤدي إلا إلى مزيد انقسام المعارضة وتعويم الأزمة وابتداع مفاهيم جديدة حول المفاوضات، وينسحب هذا الخطأ على طريقة دعوتها وتحديدها طبيعة اللقاء.

صحيح أن روسيا اشترطت أن يكون اللقاء بين المعارضة السورية والنظام دون شروط مسبقة، لكنها ركزت على مكافحة الإرهاب كأولوية وألغت مبدأ إسقاط النظام، وتحدثت عن التفاهم كصيغة توفيقية، وتعاملت مع الحوار كهدف لا كوسيلة، وليس صعباً استنتاج أنها راهنت ضمناً على انقسام المعارضة من خلال دعوة شخصيات بالاسم لتهميش المؤسسات، ومن خلال دس مؤيدين ضمن وفد المعارضة لتخفيف مستوى المطالب، كما راهنت على يأس المعارضة وخوفها من الرفض، واستغلت التباس الموقف الأميركي.

الخطأ الثاني يتمثل بعمل روسيا منفردة، دون تنسيق مع الولايات المتحدة، الإداري الأول لأزمات العالم، واعتبرت نفسها قائد المركب، رب العمل القادر على تقطيع الملف السوري وتوزيع المكافآت وجوائز الترضية على من يريد، تُعاقب وتحرم وتمنع هذه الجوائز عمن يحاول الخروج من بيت الطاعة.

غالبية أجسام وشخصيات المعارضة رفضت الدعوة، لكن قَبِلها البعض وسيشارك في الغالب، وسيحضر ممثلو النظام وستعمل الآلة الإعلامية لروسيا وللنظام السوري على تصوير المعارضة كمشاكس لا شرعي، بينما النظام هو المتّزن الساعي للحل السلمي، والحريص على سوريا بلدا وشعبا.

كل هذه المعمعة وتبعاتها ستستمر أشهرا، وسيستغلها الروس لتلميع صورة النظام، وسيكون هناك رد من المعارضة السورية بخطابات أيديولوجية مقابلة، لا تُغني عن جوع، وهي صاحبة الخطاب المتعدد والمراهق أحيانا والتي لم تستطع تحقيق أي انتصار إعلامي إلا نادرا، وغالبا من خلال الاتكاء على ما يقوم به من هم في الداخل، يقاتلون أو يُنقذون أو يقومون بعمليات إغاثة إنسانية.

وحده الأميركي يقف متفرجا، لا يعنيه كل ما يجري، طالما أنه لن يُزعجه أو يتعارض مع ما يخطط له، وأقصى ما قام به أن أومأ لرأس دبلوماسيته أن يُرحّب بأي جهود، ويعلن عدم مشاركته بها، ويقول بشكل غير مباشر إن الفيلم الأميركي الطويل لم ينته بعد.

اجتماع موسكو سيفشل، لا فقط لأنه عمل متسرّع غير محدد الملامح، وليس فقط لأنه لا يناسب ملايين السوريين الذين دفعوا الكثير للحصول على حريتهم، ولا لأن المعارضة السورية تعتبر روسيا طرفا غير حيادي وشريك للنظام، أو لأن ما تقوم به مجرد حراك في الوقت الضائع يفتقد لدعم عربي وعالمي حاسم، بل الأهم من هذا غياب اللاعب الأهم، المدير الأميركي الذي يملك زمام الأمور فعلياً.

تعاني روسيا من حكم ديكتاتوري وفساد إداري وإعلام موجه وجهاز أمن ضارب، كما تعاني أزمة اقتصادية يزيدها الدعم الكبير للنظام السوري وهبوط أسعار النفط والأزمات في الجمهوريات الروسية السابقة، فضلا عن معاناتها من احتقان مجتمعي قد ينفجر لاحتقان ديني إثني في أي وقت.

تنتهج روسيا عدة سياسات متناقضة في نفس الوقت، من جهة تستمر بنفس السياسة تجاه سوريا وتجاه مختلف القضايا الإقليمية والدولية بتشدد ودون تغيير، وتساعد النظام السوري على خفض سقف شروط المعارضة، ومن جهة ثانية تحاول مغازلة الأميركي وتوحي بدعمها لمحاربة الإرهاب وللتمدد الإسلامي الجهادي على أمل تخفيف العزلة.

نتائج موسكو معروفة سلفا وكُتب عنها الكثير، كما سيكون لأي “موسكو” مقبلة نفس النتائج، فشل وإنهاك للسوريين دون معنى، ومحطة لا يُعوّل عليها لتضييع الوقت، طالما أن الإدارة الأميركية لم تحسم أمرها، ولم تُصدر أوامرها ولم تقرر إطلاق صافرة النهاية وقد يطول الانتظار، وفي الغالب ستكون أولى بوادر اقتراب النهاية هو انقلاب ميزان القوى، فحين تُفرز المعارضة السورية المسلّحة أجسامها السياسية وتحظى بدعم أميركي – دولي جدّي، وتتقدم على الأرض ملتزمة بالقوانين الدولية للحروب، عندها يمكن الجزم بأن الصافرة الأميركية على وشك الانطلاق.


إعلامي سوري

9