اجتياح لغوي

الاثنين 2014/11/24

تتعرّض اللغة اليوميّة لاجتياح بعض المفردات الدخيلة، لا تلبث أن تكتسب حقّ المواطنيّة فيها، تحتلّ حيّزا من التداول، بطريقة تشبه الغزو، ذلك أنّ الدخيل يقصي الأصيل، ليدور صراع خفيّ بينهما، تكون الغلبة الآنيّة فيه للدخيل، بحيث تكون له جاذبيّة لافتة، برغم ما يشوبه من تناقضات، فترى كلمة بدون أيّ جذر لغويّ تحتلّ الصدارة، وتصبح على كلّ لسان، تمارس بدورها نوعا من الهيمنة والعنف، وتكون صدى للعنف الواقعيّ الذي تمثّله وتجسّده.

من الأمثلة على الاجتياح اللغويّ لبعض المفردات الدخيلة المنقطعة عن أيّ جذر لغوي، أو تاريخيّ، كلمة “داعش” التي أصبحت مثار حديث الشرق والغرب، اكتسبت صبغتها من الدور الذي ينهض به مَن تشير إليهم واقعيّا، فهي تختصر الأحرف الأولى من اسم تنظيم “الدولة الإسلاميّة في العراق والشام”، ورغم أنّ التنظيم الإرهابيّ غيّر اسمه بعد إعلان خلافته المزعومة، إلّا أنّ الكلمة ظلّت ملتصقة به، وتطغى على أيّ تسمية أخرى أو استعمال آخر.

دخلت الكلمة “داعش” بعنف إلى اللغة، وسرعان ما بدأت الاشتقاقات تتفرّع عنها، فهي اسم فاعل، والفعل منها صار دعش، واسم المفعول مدعوش، والمصدر الدعش، وتنطلق المفردة في فضاء اللغة لتشير إلى ما هو إرهابيّ وإجراميّ، فيكون التدعيش موحيا بالهمجيّة، والدعشنة مشيرة إلى الإسفاف في الممارسات العنفية والإجراميّة، والأمر منه “ادعش” مقاربا مفهوم الانتقام، وما يشبه “الدعس”.

يد “داعش” مطلقة في اللغة تعبث بها، تنكّل بها كما تنكّل بالمناطق التي تنقضّ عليها. كلمة يصعب حصرها في ذكورة أو أنوثة، تجنيسها ليس بالسهل، فهي رغم أنّها تشير إلى اسم فاعل إلّا أنّها تستخدم دلالة على منظمة، أي تورد في سياقين مختلفين، مذكّر ومؤنّث، وهي في ذلك تشبه كلمة “الشبّيحة” التي شغلت وسائل الإعلام في بداية الثورة السوريّة، وظلّ صداها المفزع الفظيع يرنّ في الأذهان، وارتبطت مثلها مثل داعش بالهمجيّة والعدوان.

“الشبّيحة” و”البلطجة” كلمات وتصريفات ذات دلالات معيّنة، تنسف قواعد اللغة كما تنسف بنية المجتمع. تستخرج التصريفات والاشتقاقات، وتفترض التعاطي معها كمفردات واقعيّة مكرّسة، في حين أنّها تظلّ دخيلة فعلا وقولا.

نحن إذن أمام احتلال لغويّ عنيف، واجتياح يكسر قواعد اللغة، يفرض نفسه. لم يتمّ استئذان مجامع اللغة العربية حين إدراج هذه الكلمات ولا عند ممارسة النحت والاشتقاق عليها، تراها داهمت على غفلة من النحويين وسدَنة اللغة، وحجزت مكانها في القاموس اليوميّ، والتداول الإخباريّ والإعلاميّ، ورغم الحرص على كتابة الكلمة بين قوسين غالبا في وسائل الإعلام، إلّا أنّها باتت أشهر من أيّ تنصيص أو تقييد.


كاتب من سوريا

15