احتجاجات إيران تكسر المحرمات: تمزيق صورة الخميني وخامنئي

يواصل عشرات الآلاف من المحتجين في إيران مظاهراتهم في مختلف أنحاء البلاد في تحد لتحذير السلطات بشن حملة قمع صارمة، ضمن تحرك يعدّ أحد أكبر التحديات للقيادة في الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها سنة 1979 على أنقاض نظام الشاه رضا بهلوي، الذي سقط إثر انتفاضة شعبية كبرى، أسبابها وبعض تفاصيلها تشبه إلى حد كبير ما يعيشه النظام الإيراني اليوم. وصب المتظاهرون جام غضبهم في بادئ الأمر على المصاعب الاقتصادية ومزاعم الفساد، لكن الاحتجاجات أخذت منحى سياسيا نادرا مع انتقاد لنظام الجمهورية الإسلامية والنخبة الدينية ومطالبة أعداد متزايدة من المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بالتنحي.
الثلاثاء 2018/01/02
الحركة الطلابية صانعة التغيير

طهران - إلى وقت قريب، كان الخبراء وبعض السياسيين يتحدثون عن تحريك الأقليات في إيران لمواجهة سياسة طهران التي تهدد الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ونادرا ما كان هناك حديث عن احتجاجات شعبية يمكن أن تشهدها إيران رغم أن كل الأسباب كانت متوفرة لذلك.

ومع ذلك لم يكن مفاجئا حين اندلعت الاحتجاجات من مدينة مشهد لتمتد إلى مختلف أنحاء البلاد؛ فقد شهدت البلاد العديد من الاحتجاجات والمظاهرات ضد الوضع الاقتصادي المتردي، من ذلك الاحتجاجات في مشهد عام 1992 وفي عام 1994 في مدن شيراز ومشهد وأراك واحتجاجات المعلمين ضد حكومة خاتمي سنة 2001. وفي سنة 2009 شهدت البلاد أقوى احتجاجات ضد تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية لفائدة أحمدي نجاد. واحتجاجات عمال المناجم في 2015.

لكن، عنصر المفاجأة، والذي باغت حتى النظام الإيراني هو أن الشعارات تجاوزت هذه المرة الخطوط الحمراء.

الإيرانيون اليوم لا يحاكمون فقط الحكومة ورئيسها حسن روحاني، الذي قالوا إنهم نادمون على انتخابه، بل وصل بهم الغضب إلى حد المطالبة بإسقاط النظام، وتجرأوا لأول مرة على توجيه الاتهام المباشر وبصوت عال إلى المرشد الأعلى ونظام الجمهورية الإسلامية ورجال الدين واتهمهم المتظاهرون بسرقة حقوق الشعب الإيراني.

الإيرانيون يتجرأون لأول مرة على توجيه الاتهام المباشر وبصوت عال إلى المرشد الأعلى ويتهمون رجال النظام بسرقة حقوقهم

وأظهرت لقطات مصورة محتجين يهتفون في وسط طهران “يسقط الدكتاتور” في إشارة في ما يبدو إلى خامنئي. وهتف محتجون في خرم أباد في غرب إيران “عار عليك يا خامنئي…اترك البلاد وشأنها”، ووصل الأمر إلى أن ردد بعض المتظاهرين شعارات تمجّد نظام الشاه مثل “شاه رضا.. طيب الله ثراك”. وترديد مثل هذه الهتافات دليل على مستوى لم يسبق له مثيل من الغضب وكسر المحرمات.

ويتوقف المراقبون عند هذه الشعارات مشيرين إلى أنها النقطة الفاصلة في الاحتجاجات والتي تجعل على الدول الكبرى الانتباه والحذر في التعامل مع هذه الاحتجاجات وعدم توقع أنها يمكن أن تؤدي إلى قلب تام للنظام مثلما فعلت الاحتجاجات ضد الشاه، والتي احتاجت ثلاث سنوات لتحقق هدفها (1979-1977)، وبعد أن تحولت من مظاهرة شعبية عامة إلى ثورة دينية بقيادة آية الله الخميني.

النظام في مأزق

يربط بعض الخبراء بين هذه الاحتجاجات وبين الوضع الداخلي للنظام الذي يمر بإحدى أصعب فتراته، حيث الخلاف على أشده حول من سيخلف المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي المنهك صحيا، وخلاف آخر بين الرئيس حسن روحاني وتيار المحافظين، وأزمة ثالثة بين الحكومة والحرس الثوري.

وفي قراءة أخرى لما يجري في البلاد، يشتبه البعض في أن المحافظين، المنافسين لحسن روحاني والتيار الإصلاحي، وقفوا وراء التصعيد في مشهد، بالنظر إلى تأثيرهم فيها، وهي مدينة ذات رمزية دينية هامة، بالإضافة إلى أنها شهدت من سنوات احتجاجات ضد الغلاء والتهميش، ومؤخرا تضاعفت أزمة سكنها بعد إغلاق شركة ميزان.

وقال المحلل السياسي المقيم في طهران أمير محبيان “هناك أدلة، ولا سيما في مشهد، على أن التظاهرات كانت منسّقة لتمرير رسائل سياسية”، مشيرا إلى أن “منظمي المظاهرات لم يتوقّعوا أن تتسع بهذا الشكل” وترفع فيها شعارات ضد الخميني وخامنئي والحرس الثوري، لكن وكما يقول محبيان “لا يمكن اللعب بحركات الاحتجاج”.

وسبق أن استخدم النظام العنف ضد الاحتجاجات، لكن الوضع يبدو معقدا أكثر مع هذه المظاهرات التي تثير قلقا أكبر للسلطات لأنها تبدو عفوية وبلا قائد واضح.

لكن، ذلك لا يعني أنه يمكن الحديث عن سقوط قريب للنظام أو أنه يمكن للدول الإقليمية المتضررة من سياسة إيران والقوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة أن تتدخل بشكل يمكن أن يؤدي إلى إسقاط النظام كما وقع مثلا مع بعض الدول العربية، مصر وتونس وليبيا، في 2011.

لا يمكن التهوين من تأثير الاحتجاجات

ويقول محللون إنه لا يمكن التهوين من تأثير الاحتجاجات، فهناك انقسام واضح في المجتمع الإيراني، وينتشر الفقر بنسبة كبيرة في المدن والأرياف، لكن، وكما يجب عدم التقليل من أثر هذه الاحتجاجات يجب في الوقت ذاته عدم التقليل من شأنها.

وحذر الخبير في شؤون الشرق الأوسط جيمس دورسي من يرى أن أي خطوة غير محسوبة لن تسمح الإدارة فقط لروحاني أن يصبح كبش فداء لهذه الاحتجاجات، ولكن أيضا يمكن أن تضعف الاحتجاجات لأنها تثير المخاوف من أن الإدارة الأميركية والقوى الخارجية تسعى فعلا إلى تغيير النظام وقد يؤدي الأمر بالبلاد إلى فوضى كتلك التي تشهدها دول الربيع العربي.

تهديد ولكن

نقل دورسي عن مسؤول وزارة الخارجية الأميركية السابق، رضا ماراشي، قوله إن “المشاكل إيرانية، والمحتجون إيرانيون، والحل سيكون إيرانيا، سيكون من الحكمة أن تعترف واشنطن بحدود سلطتها داخل إيران. لا يمكن لصانعي السياسات والمنتقدين أن يغيروا هذه الحقيقة”.

وفي المقابل، هناك الكثير للمجتمع الدولي يمكن أن يقوم به لمساعدة الإيرانيين، غير التصريحات والتوجهات التي قد تصب في صالح النظام، على غرار تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

الأمل في أن تؤدي الاضطرابات إلى انهيار النظام، الذي تم التعبير عنه صراحة من قبل الولايات المتحدة، أمر سابق لأوانه. وأي إضعاف حقيقي أو متخيل لقبضة الحكومة الإيرانية يمكن أن يبشر بتصعيد خطير للتوترات الإقليمية

ومن إجراءات الدعم المقترحة ما ذهبت إليه سوزان مالوني نائبة مدير برنامج السياسة الخارجي في معهد بروكينغز، والصحافي مازيار بهاري، حيث دعيا الولايات المتحدة لتستخدم نفوذها في مجال التكنولوجيا وخدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية ووسائل التواصل الاجتماعي الكبرى مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام لمحاولة إبقاء قنوات الاتصال بين المتظاهرين مفتوحة رغم منع النظام الإيراني لها.

وقال رضا ماراشي إنه يمكن العمل في مثل هذا الموقف بخطة التوصيات التي اقترحها هو وآخرون عام 2009 عندما واجهت الحكومة الإيرانية مظاهرات واحتجاجات أكبر بكثير ضد تزوير الانتخابات المزعوم.

ونصح ماراشي رؤساءه “بالتعبير عن القلق إزاء العنف ضد المتظاهرين وإبراز أهمية احترام حرية التعبير والديمقراطية، والمعارضة السلمية وإيمانها بأن الأمر يرجع إلى الإيرانيين”.

وكتب محرر الشؤون الخارجية في صحيفة الغارديان سيمون تيسدال مؤكدا أن “الأمل في أن تؤدي الاضطرابات إلى انهيار النظام، الذي تم التعبير عنه صراحة من قبل الولايات المتحدة، أمر سابق لأوانه. وأي إضعاف حقيقي أو متخيل لقبضة الحكومة الإيرانية يمكن أن يبشر بتصعيد خطير للتوترات الإقليمية”.

ويؤيد الخبراء هذا التوجه مشيرين إلى أن إيران للتخفيف عن الضغط الداخلي يمكن أن تذهب إلى أبعد حد في تفجير المنطقة عبر ميليشياتها وأذرعها المسلحة، التي ستجد نفسها بلا دعم وضعيفة ومؤثرة بشكل كبير بما يجري في الداخل الإيراني، وهي نقطة يركز عليها الخبراء كثيرا، مشيرين إلى أنه وقبل الحديث عن تغيير النظام في الداخل الإيراني يجب أولا قطع شريانه في الخارج، والتركيز على استهداف الميليشيات الإيرانية فيما سيتولى الإيرانيون الغاضبون أمر الداخل.

ورأت المحامية الإيرانية شيرين عبادي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، أن التظاهرات في إيران ليست سوى “بداية حركة كبيرة” قد يفوق مداها احتجاجات 2009، في مقابلة أجرتها معها الأحد صحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية.

وقالت عبادي، المقيمة في المنفى في لندن، “أعتقد أن التظاهرات لن تنتهي في وقت قريب. يبدو لي أننا نشهد بداية حركة احتجاجية كبيرة قد تتخطى بكثير الموجة الخضراء عام 2009. ولن أتفاجأ إن تحولت إلى شيء أكبر”.

للمزيد:

المتظاهرون الإيرانيون: لا فرق بين الإصلاحيين والمحافظين

إيران تستنجد بالحشد الشعبي

7