احتجاجات الحسيمة والانطلاق لبلوغ واقع آخر

الخميس 2017/06/01

أملك معقوليتي في تأويل احتجاجات الحسيمة الواقعة في شمال المغرب منذ سبعة أشهر كوجهة نظر مبنية على قراءة متأنية ومتابعة للأشخاص الذين يؤطرونهم وامتداداتهم خارج السياقات والحدود مع تداخل واضح للنوازع الشخصية مع المطالب الاجتماعية والتنموية.

وأملك أيضا الحق في طرح تصوري لمآلات ذلك الحدث وتداعياته على الجسم الوطني ككل، كما للآخر أيضا معقوليته في التأويل والقراءة.

بالحسيمة الأمر معقد ولا يمكن الاكتفاء بالنظر إليه من زاوية عاطفية، بل لابد من تقليبه على كافة الأوجه، القانونية والسياسية والاجتماعية والثقافية. خروج أهل المدينة للمطالبة بحقوق مشروعة ترتبط أساسا بمخرجات الديمقراطية لا ينفي وجود من حاول بسلوكه توجيه الاحتجاجات إلى وجهة غير تلك التي كان مسطرا لها في البداية.

لا بد من التذكير هنا بأن متزعم احتجاجات الحسيمة تم توقيفه بتهمة عرقلة حرية العبادات وتعطيلها أثناء صلاة الجمعة، وذلك بمنعه إمام مسجد محمد الخامس من إكمال خطبته، وإلقائه داخل المسجد خطابا تحريضيا أهان فيه الإمام، وأحدث اضطرابا أخل بهدوء العبادة ووقارها وقدسيتها، وسينظر في هذه النازلة حسب الفصل الـ221 من القانون الجنائي المغربي.

وبعد المواجهات التي وقعت الجمعة بين عدد من المحتجين ورجال الأمن نكون أمام مواطنين حالمين لم يستطيعوا تكوين فهم مسؤول لحرية الفعل ورد الفعل. ولم يدركوا أن تحقيق المطالب محكوم بضبط حدود الضغط والتفاوض بحسن نية على أساس تنازلات وأن تحقيق هامش واسع من المطالب مرهون بعنصر الوقت، وقبل ذلك إلزامية الجلوس مع ممثلي الدولة ومؤسساتها كونها تمتلك الشرعية لتنزيل كافة المشاريع التنموية المرصودة.

من خلال مراقبة احتجاجات الحسيمة نستخلص ضرورة حضور معايير الديمقراطية في جل المطالب الاجتماعية متمثلة في حرية التعبير بمسؤولية والاعتراف بالحقوق والاختلاف في الرأي وتثبيت التعددية، مع الإعلاء من سلطة القانون الذي له الكلمة الفصل ضد أي سلوك يهدد أحد تلك المعايير.

إن وقوف جزء كبير من المجتمع المغربي ضد مفهوم الفتنة التي يمكن أن تنجرف إليها البلاد، لا قدر الله، بسبب تداعيات احتجاجات الحسيمة، ليس مرتبطا بمنطق سياسي فقط بل بأحكام أخلاقية، لهذا نرى العقلاء يتوجسون خيفة من أي تحرك احتجاجي غير مؤطر وهلامي وليس منضبطا لأي قانون ولا يعترف بالمؤسسات.

مع ذلك وأمام احتجاجات الحسيمة يصعب الفصل بين العاطفة والعقل عند كل الأطراف في التقييم والحكم، وأي محاولة في هذا الصدد ستكون مصطنعة.

والحل هو اللجوء إلى حكمة القانون وسلطة المؤسسات لإعطاء فرصة للجزء العقلاني داخل الدولة كي يبحث عن حلول تحول دون بناء اصطفافات تشخصن المطالب المشروعة والمعقولة للمحتجين أو تذهب بها في اتجاهات لا تخدم الوطن.

فعندما نتحدث عن إعمال القانون وترسيخ مفهوم المؤسسات فالأمر يتعلق بالدرجة الأولى بتغليب الوطنية كحمولة وجدانية ومعطى مؤطر تاريخيا وجغرافيا وتشذيب عناصر الشخصية المغربية المنصهرة دون تمييز مناطقي أو عرقي أو لغوي، بمعنى آخر عندما تتغلب الوطنية يدخل العنصر العاطفي ليبني معقوليته للموقف، حسب رأي المفكر محمد عابد الجابري.

منذ عقود والمغاربة يناضلون بجميع الأشكال لأجل تحقيق ديمقراطية حقيقية وعيش كريم وعدالة اجتماعية في ظل دولة الحق والقانون والتمسك بطريق الإصلاح بالتدريج وبمقدمات سلمية توجت بتظاهرات 20 فبراير استجابت لها المؤسسة الملكية بذكاء فكانت النتيجة دستور 2011.

هذا الدستور كان مكسبا حقيقيا المفروض تنزيله بما يساهم في الرفع من قيمة المواطنة ودولة الحق والقانون، ووجب على الكل دون استثناء المحافظة عليه وتطوير المشترك الثقافي والسياسي والاجتماعي والروحي بين مكونات الأمة والتواضع لمنطق الحوار في تدبير الاختلاف.

نرى أن احتجاجات الحسيمة يمكن أن تكون مقدمة للانتقال من انتقاد الفساد والريع الذي يعيش فيه ومنه بعض السياسيين ورجال الأعمال، إلى تفعيل آليات المحاسبة ضد كل من ثبت في حقه ضرب مقومات وجود هذه الأمة على جميع المستويات.

فقد ثبت بالدليل أن سبب كوارث سوريا والعراق وليبيا واليمن كان أولا وقبل كل شيء غياب مقدمات الديمقراطية وتعطيل آليات التداول على السلطة والفساد وتجفيف منابع تدبير الاختلاف السياسي والثقافي، ما مهد للتدخل الخارجي بحجة زرع الديمقراطية.

فكانت النتيجة زعزعة استقرار المنطقة وإدخالها في حالة فوضى كاملة وإرهاق الدولة والمؤسسات بالجماعات الإرهابية وتشتيت ما تبقى من القواسم المشتركة بين أبناء الوطن الواحد بالحروب الأهلية.

هذا ليس تهويلا أو استدرارا للعاطفة كما يحلو للبعض ترديده، إنه واقع وسنكون مخطئين إذا لم نقرأ ونتمعن في كلام ويستر تاريلي الصحافي الأميركي، الذي أكد أن ما حدث في تلك الدول لم يكن لزرع الديمقراطية والحرية بقدر ما كان عمليات زعزعة الاستقرار، تديرها أجهزة استخباراتية دولية تحت عناوين منظمات حقوقية.

التحليلات الاستراتجية التي تقرأ المسببات والأهداف والمواقف، تحسم في أن ما حدث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم يكن بريئا والساذج من يجادل في هذه النقطة بالذات، فالكل يعلم أن اختراقات كبيرة وخطيرة حدثت ولا تزال تحدث وبأياد متعددة غايتها تفكيك بنية المجتمعات وتقويض مؤسسات الدولة.

بالتالي وعلى ضوء احتجاجات الحسيمة ولأجل ديمقراطية وتنمية البلاد من شمالها إلى جنوبها، لا بد من تعميق التنشئة السياسية على قيم التعددية الأصيلة وفهم أعمق لمفهوم الحرية والالتزام الأكيد بمبادئ الوطنية.

ومن الضروري التأكيد على أن التأطير والتنشئة السياسية منوطان بإعلام قوي وأحزاب قطعت مع الزبونية والريع ومؤسسات تعليمية أكثر مردودية، ما من شأنه تشكيل وعي عميق بأهمية المؤسسات والدفاع عنها ونقدها إذا اختل توازنها.

احتجاجات الحسيمة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لواقع آخر عنوانه تعميق التنمية والكرامة بالمغرب ككل، ولن يتحقق هذا المطلب دون قانون يرعى الاستثمارات ويحمي حقوق المواطن والمستثمر وآلة تنفيذية تضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بمكتسبات هذا الشعب. لابد من إعطاء فرصة للدولة كي تحقق ما وعدت به دون مزايدات أو لي ذراع أو ركوب على مطالب مشروعة لتصفية حسابات ضيقة.

كاتب مغربي

4