احتجاجات الصحافيين التونسيين تتصاعد بيوم غضب لمطالبة الحكومة بتنفيذ تعهداتها

الأوضاع الهشة للصحافيين تسمح بتدخل لوبيات المال والفساد في قطاع الإعلام.
الجمعة 2020/11/27
احتجاجات حتى تحقيق المطالب

يعيش الصحافيون في تونس أوضاعا مهنية واجتماعية هشة، ويعاني عدد كبير من خريجي معهد الصحافة وعلوم الأخبار من بطالة مستمرة منذ سنوات، حيث تجمهر المئات منهم أمام ساحة الحكومة بالقصبة رافعين شعارات منددة بعدم جدية الحكومة في الإيفاء باتفاقيات سابقة عام 2019 تمت بين نقابة الصحافيين وحكومة يوسف الشاهد.

تونس -  تظاهر العشرات من الصحافيين وخريجي كلية الصحافة في تونس أمام مقر الحكومة في ساحة القصبة وسط العاصمة تونس الخميس، للاحتجاج ضد البطالة وتدهور أوضاعهم الاجتماعية والمهنية، والتنديد بسياسة التسويف التي تنتهجها الحكومة في تنفيذ المطالب المتفق عليها سابقا.

أميرة محمد: أطراف سياسية أرادت ضرب استقلالية العمل الصحافي

ويقود الصحافيون التونسيون معركة شرسة ومتواصلة لحماية حقوقهم وضمان استقلالية القطاع، حيث يمثل الإعلام جزءا مهما من مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد بكل أزماته وتحدياته.

والتحرك الذي دعت إليه نقابة الصحافيين جاء رفضا للمماطلة الحكومية في التعامل مع قضايا الإعلام في البلاد وتجاهلها لمطالب القطاع، حيث دعت النقابة كافة أعضائها إلى الدفاع عن حقوقهم والمشاركة بكثافة في التحركات الاحتجاجية.

وكان الصحافيون حملوا الشارة الحمراء لمدة ثلاثة أيام، استجابة لدعوة النقابة.

ويطالب الصحافيون المحتجون الحكومة بتسوية الأوضاع الهشة في كل وسائل الإعلام المحلية، واحترام حق الصحافي في النفاذ إلى المعلومات وعدم محاكمة الآراء، رافعين شعارات من بينها “لا مجال للتفريط في حرية التعبير”، “حق الصحافي موش مزية”.

ولم تنشر الحكومة الاتفاقية القطاعية التي قضت المحكمة الإدارية بنشرها في الرائد الرسمي، وتمحورت الاتفاقية في أبرز بنودها حول تمتع قطاع الإعلام بسقف أجور جيد، وحل الإشكاليات العالقة في المؤسسات الإعلامية المصادرة.

وتم توقيع هذه الاتفاقية في 9 يناير 2019، مع الأطراف الحكومية والجهات المعنية في القطاع وخاصة المسؤولين عن المؤسسات الإعلامية وتتضمن 36 فصلا وكانت من المطالب الأساسية للصحافيين.

وتمثل حرية الصحافة والتعبير أحد أبرز مكاسب التونسيين بعد العام 2011، حيث برزت العشرات من الصحف الإلكترونية والقنوات الخاصة ومكاتب للصحافة الدولية، لكن أوضاع الصحافيين المهنية والاجتماعية هشة، بينما يعاني عدد كبير من خريجي معهد الصحافة وعلوم الأخبار، المؤسسة الجامعية الوحيدة التابعة للدولة لتدريس الصحافة، من بطالة مستمرة منذ سنوات.

وأفادت نائب نقيب الصحافيين التونسيين أميرة محمد “أن النقابة تطالب بالالتزام بقرار المحكمة الإدارية وتطبيق ما تضمنته الاتفاقية المبرمة مع حكومة يوسف الشاهد، وما نلاحظه أن الحكومة لا تحترم قرار المحكمة الإدارية”.

واستنكرت أميرة محمد في تصريح لـ”العرب”، موقف وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي الذي وقع على الاتفاقية، لكنه تراجع الآن عن موقفه قائلا “أمضيت على عجل”. واصفة ذلك بعملية “مماطلة وشبهة احتيال”.

وطالبت ممثلة النقابة “بضرورة التسريع في تنفيذ بنود الاتفاق وتسوية الوضعيات الهشة بمؤسسات الإعلام العمومي وإصلاحه، والحسم بشكل نهائي في حل وضعية الإعلام المصادر، وتشغيل الإعلاميين العاطلين عن العمل”.

 وأوضحت أن الوضعية الاجتماعية للصحافي اليوم تعتبر صعبة ولا تليق بمكانته في المجتمع، معتبرة أن “أطرافا سياسية أرادت ضرب استقلالية العمل الصحافي عبر الإطناب في سياسة المماطلة والتسويف”.

أين حقوقي كصحافي
أين حقوقي كصحافي

ولفتت إلى أن يوم الغضب سترافقه وقفة احتجاجية أمام النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين ووقفات في كل المناطق حيث يتواجد الصحافيون المجندون دائما لنقل الخبر.

ويعد قطاع الإعلام من بين القطاعات التي نادرا ما تقوم باحتجاج أو تنفذ إضرابا عاما ويحسب لها إضراب وحيد بعد الثورة ولم يكن للمطالبة بالزيادة في الأجور أو في المنح، بل كان للتنديد بالمضايقات التي مارستها في تلك الفترة في 2013 حكومة الترويكا، بينما يأتي هذا الإضراب اليوم في ظل أوضاع اجتماعية وسياسية متأزمة.

وندد أعضاء النقابة بمنهجية التعامل الحكومي مع قطاع حساس رافق التحولات الكبرى التي عرفتها البلاد وقال عضو النقابة رمزي أفضال في تصريح  لـ”العرب”، “وضعية الصحافي هشة خاصة في جوانبها الاجتماعية، حيث لا يتمتع الصحافيون بالضمانات الاجتماعية وهذا ما يؤثر على أدائهم في العمل الصحافي”.

وأضاف أفضال “اليوم نحتج من أجل إعطاء الحقوق الشاملة للصحافي في أبعادها المختلفة (الاجتماعية والمهنية والاقتصادية..)، فضلا عن حماية حرية التعبير التي تعتبر المكسب الوحيد بعد 2011، وكل هذه الملفات يشتغل عليها المكتب التنفيذي الجديد للنقابة لتنظيم القطاع والإعلام العمومي”.

ودعا العضو النقابي إلى ضرورة “تشغيل خريجي معهد الصحافة وعلوم الإخبار الذين طالت بطالتهم لأكثر من 10 سنوات، علاوة عن تخليص القطاع من الدخلاء من محللين (كرونيكور) وممثلين الذين أصبحوا اليوم يلعبون دور الصحافي”.

معركة شرسة
معركة شرسة

كما أشار إلى “تراجع ترتيب الصحافة التونسية في العالم الذي يهدد بطريقة أو بأخرى حرية الصحافة والتعبير بالبلاد”.

 ويتمسك الصحافيون بضرورة انتزاع حقوقهم المادية والمعنوية من خلال إضراب عام في 10 ديسمبر القادم المتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان.

وتدافع أصوات القطاع الإعلامي في تونس عن حرية الصحافة وتنظيم الإعلام وفق تشريعات دستورية تحمي استقلاليته وتصون حرية الرأي والتعبير.

رمزي أفضال: احتجاجنا لأجل إعطاء الصحافي حقوقه في أبعادها المختلفة

كما يرفض الصحافيون عدم تمتع الصحافة التونسية بحقوقها الكاملة، من أجل منع تدخل اللوبيات والمال الفاسد في القطاع الإعلامي برمته.

وقالت بسمة الغريبي، عضو تنسيقية خريجي معهد الصحافة المعطلين عن العمل، “ما يحصل أن الصحافة في تونس تعاني من إغراق القطاع من قبل دخلاء على المهنة ويحصلون على مبالغ طائلة مقابل وضع هش ومهين للصحافيين”.

وأضافت بسمة التي تعاني من بطالة متواترة منذ تخرجها من معهد الصحافة عام 2005 “تبحث أغلب وسائل الإعلام عن الإثارة ولا تطبق القوانين عند توظيف الصحافيين. نحن لا نتمتع بعقود ولا تغطيات اجتماعية بالإضافة إلى مرتبات هزيلة”.

كما شهدت الوقفة الاحتجاجية مساندة بعض الجمعيات والاتحاد الجهوي (المحلي) للشغل والاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري واتحاد الصناعة والتجارة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وممثلي بعض الأحزاب.

وأفاد مولدي الزوابي رئيس فرع النقابة الوطنية للصحافيين بإقليم الشمال الغربي في تصريح لإذاعة محلية “أن من أهم المطالب نشر الاتفاقیتین الإطاریة والقطاعیة بالرائد الرسمي للجمهورية التونسیة والانطلاق الجدي في مسار الإصلاح في مؤسسات الإعلام العمومي وعدم ممارسة الوصایة علیها والالتزام بتسديد المستحقات المالية للصحافيين في المؤسسات الإعلامية المصادرة وضمان ديمومتها، فضلا عن تسویة الوضعیات الهشة العالقة في مؤسسات الإعلام العمومي”.

وعمقت الأزمة الاقتصادية تبعا لآثار الأزمة الصحية لوباء كورونا من الصعوبات المالية التي تحاصر الصحافيين. ومنذ مايو 2019 تم تسريح أكثر من 300 صحافي من بينهم 190 أثناء أزمة كورونا، بحسب النقابة.

ويعد الصحافيون المحتجون من بين الآلاف من العاطلين من خريجي الجامعات في تونس ممن يطالبون الدولة بتشغيلهم ويمثل حاملو الشهادات العليا في تونس ثلث العاطلين والبالغ عددهم أكثر من 700 ألف عاطل بحسب آخر الإحصائيات الحكومية.

18