احتجاجات العراقيين يستغلها عرابو الإسلام السياسي لتدعيم وجودهم

ما يشهده العراق في الفترة الأخيرة من احتجاجات على تردي الخدمات وعلى تصاعد وتيرة الفساد في مفاصل الدولة كشف الصراع الذي كان يدور بين الأحزاب السياسية الدينية وخاصة الشيعية منها في محاولة منها للحفاظ على مكاسبها والخروج بأقل الأضرار بعد إجراءات العبادي التي تسعى لوقف شريان الفساد المهدد للدولة والبلد.
الاثنين 2015/08/24
صراع الأحزاب الإسلاموية الشيعية في العراق كشفته احتجاجات الشارع ضد الفساد

ما إن انطلقت المظاهرات العراقية بسبب نقص التزويد بالطاقة الكهربائية مع ارتفاع درجات الحرارة، وما إن تحددت بوصلة المطالب بالنسبة إلى المتظاهرين ومع تفاعل المرجع الشيعي في النجف علي السيستاني مع مطالب المتظاهرين وإطلاق حزمة الإصلاحات من قبل رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي حتى أحست أحزاب الإسلام السياسي أنها دخلت دائرة الخطر، فاستنفر رجال الأحزاب بعمائمهم كي يجدوا مخرجا للأزمة التي بدأت تحيق بهم.

فكانت استجابة رجال الدين لأحزابهم أمرا لافتا خلال الأيام القليلة الماضية حيث يحاول أصحاب العمائم المستفيدون من أحزاب الإسلام السياسي في العراق وخصوصا العمائم الشيعية، الإيحاء بأن المعركة الحقيقية هي بين الإسلام وغير المتدينين في العراق على اعتبار أن أكثر المطالبين بالتغييرات في العراق والمشاركين في التظاهرات هم من غير المنتمين إلى أحزاب الإسلام السياسي وبالتالي فهم من طبقة الكادحين غير المستفيدين من الفساد الذي يهيمن على مشهد العراق منذ احتلاله.

وبذلت أحزاب الإسلام السياسي الشيعي في العراق ما بوسعها للتركيز على العمائم الداعمة في وقت أدركوا فيه أن السيستاني يعلم أن المتظاهرين هم أبعد الناس عن الإسلام السياسي ولكنه وقف معهم ضد الأحزاب فأسس أصحاب عمائم الإسلام السياسي حربا ضد السيستاني.

التيارات الإسلامية والأحزاب تداعت خلال الفترة الماضية إلى الاستعانة بما هو أشبه بالفتاوى، فأطل محمد اليعقوبي مفتي حزب الفضيلة وقال إن التظاهر حرام خصوصا على التيارات الشيعية، وبقي موقفا عصائب أهل الحق ومنظمة بدر واضحين في رفض أيّ تظاهر، حيث حذّر هادي العامري أمين عام منظمة بدر المتظاهرين من أن بغداد مازالت غير آمنة مخالفا تصريحاته السابقة حينما قال إن العاصمة باتت آمنة وإن إرهاب داعش لن يطالها بعد الآن.

عمائم الإسلام السياسي الشيعي تعدّ من المستفيدين من وجود كوادر أحزابهم حيث أن لكل حزب وزارة أو يزيد، وأن على كل موظف، ينتمي إلى أيّ وزارة من الدرجات العليا في أيّ منصب، أن يدفع جزءا من راتبه الشهري إلى الحزب الذي رشحه وبالتالي فإن رجال الدين الداعمين لأحزاب الإسلام السياسي هم المستفيدون من هذه العملية التي تدرّ ملايين الدولارات على الحزب ومعمميه.

أحزاب الإسلام السياسي، وخصوصا الشيعية، توحي بأن المعركة بين الإسلام وغير المتدينين في العراق

السيستاني من جانبه أعاد مطالبته بالاستمرار بالتظاهر وطالب بمزيد من الإصلاحات وفي التفاتة تنم عن عدم ثقة السيستاني بأحزاب السلطة طالب عبر خطبة الجمعة بأن يكون الإصلاح وفقا للقانون منعا لإبطاله بحجة مخالفته الدستور. يبدو أن السيستاني انتظر عودة نوري المالكي من إيران ولقاءه المرشد علي خامنئي الأمر الذي عدّ رسالة دعم للمالكي وتطمينا له من أيّ ملاحقة قضائية. انتظار السيستاني كان بغية معرفة ما يحاول الإيرانيون كشفه في التعامل مع مجريات التغيير. وبعد مضي 48 ساعة من لقاء المالكي لخامنئي قال السيستاني إن الحكومات السابقة هي المسؤولة عن الفساد وهي تهمة واضحة تستهدف المالكي باعتبار أن الأخير هو الذي سيطر على سدة القرار في العراق على مدى تسع سنوات مضت.

نستنتج مما يجري أن السيستاني ماض في تحديه لإرادة الإسلام السياسي الذي يقود دفة القرار في البلاد وماض في استدراج الإيرانيين لمحاولة التعامل مع بدائل أخرى وعدم التعويل على المالكي مهما أدى من خدمات للإيرانيين خلال فترة وجوده في السلطة، بل إن السيستاني لن يهدأ له بال إلا إذا عوقب المالكي على كل أخطائه السابقة التي أودت بالعراق إلى ما عليه اليوم، أما ما بين السطور فإن السيستاني يحاول معاقبة المتمردين عليه والمتحدين لفتواه قبل خمسة أعوام حينما أفتى فتوى “المجرَّب لا يجرَّب” وكان يقصد بها عدم ترشيح المالكي لمجلس النواب، وقتذاك لم يلتزم الشعب بفتواه فيما تحايل حزب الدعوة وتحدى الفتوى ورشح المالكي للانتخابات وبعد فرز النتائج وفوز إياد علاوي استنجد المالكي بالإيرانيين والأميركان لإعادة ترشيحه وإن لم يكن قد فاز بالانتخابات ويومها صادر حق علاوي وكان موقف السيستاني أن رفض مقابلته. السيستاني حاول ثني المالكي عن مشروع استعادة السلطة، لكنه لم يصغ لنداء المرجعية وقتها وتحجج بأنه لا يأخذ فتاواه من السيستاني وإنما من محمود الشهرودي رئيس السلطة القضائية في إيران.

ويبدو أن السيستاني أدرك ما يقوم به معارضوه من أحزاب الإسلام السياسي وبدأ يتناغم مع مطالب الجماهير، حيث ركز في خطب الجُمَع الأخيرة على ضرورة إصلاح القضاء. ولأول مرة أشار المتحدث باسم السيستاني إلى رأس القضاء مدحت المحمود وهو المتهم بأنه وراء عدم ترويج أيّ قضية فساد طالت وزراء وشخصيات بأوامر من نوري المالكي، كما تناغم السيستاني مع تصريحات قادة الحشد من الموالين للمالكي والموالين لإيران وخصوصا زعيم عصائب أهل الحق وزعيم منظمة بدر وحذر في بيانه الأخير من أن معركة الإصلاحات لا تعني أن ننسى معركة مواجهة خطر داعش.

باتت مفاصل المعركة بين عمائم الإسلام السياسي في العراق من جهة، وبين عمامة السيستاني من جهة أخرى هي المشهد الذي يفرض نفسه على واقع الأحداث، وما زالت المعركة على أشدها فيما بقي العبادي في منتصف الطريق وما زال لم يحسن الاستفادة من دعم السيستاني له، وما زال يمسك العصا من الوسط، ويرى أنه لا يستطيع أن ينفك عن حزبه في العملية السياسية، ومن جانب آخر هو يحاول ألاّ يستعدي السيستاني ولا يتحداه، وهو يدرك أن ظل عمامة السيستاني في هذه المرحلة هو الظل الوارف الذي من الممكن أن يستظل تحته في تعضيد سلطته وشعبيته بين أبناء الشعب.

13