احتجاجات العراق: انفجار سنوات من الاحتقان الاجتماعي

الطبقة السياسية تنصرف عن حل الأزمة بالبحث عن طرق للاستفادة منها، وغضب لن يؤدي إلى سقوط النظام لكن سيهز أركانه.
الخميس 2018/07/19
أين الحكومة

بغداد – بعد نحو ستة أشهر من إعلان السلطات العراقية النصر على تنظيم الدولة الإسلامية عقب ثلاث سنوات من معارك دامية دارت على ثلث أراضي البلاد التي كانت خاضعة لسيطرته، عادت المشاكل الاجتماعية لتحتل رأس سلم الأولويات، فعمت الاحتجاجات المطلبية المحافظات الجنوبية بدءا من البصرة، مدينة النفط.

ليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها كبرى محافظات العراق ومدنه، احتجاجات شعبية ضد ضعف الخدمات وارتفاع الأسعار والبطالة. فقد شهد العراق في يوليو 2015، احتجاجات مماثلة للتي يعيش على وقعها منذ 9 يوليو 2018، للمطالبة بتحسين واقع الخدمات وخصوصا الكهرباء، وطالب المحتجون بمحاسبة وزير الكهرباء.

ويقول الباحث في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة فنر حداد “مع انتهاء الحرب ضد داعش، عادت إخفاقات الطبقات السياسية العراقية في جميع جوانب الحكم والإدارة الاقتصادية بقوة إلى الواجهة”، بدءا من الانقطاع المستمر للكهرباء ومرورا بنقص المياه وانعدام الخدمات، وصولا إلى توفير فرص العمل، مطالب جعلت الآلاف يصرخون على مدى عشرة أيام: “أين الحكومة؟”.

ويضيف حداد “المطالب الصيفية حالة سنوية منتظمة” في بلد تصل درجات الحرارة فيه خلال الصيف إلى 50 درجة مئوية. ويتابع “العراقيون في البصرة وفي أماكن أخرى لديهم ما يكفي من الشكاوى المشروعة اللازمة لظهور احتجاجات عفوية، بغياب أي يد تآمرية”.

فنر حداد: ما يحصل هو انفجار غاضب في وجه نظام كامل حرم العراقيين من حياة أفضل
فنر حداد: ما يحصل هو انفجار غاضب في وجه نظام كامل حرم العراقيين من حياة أفضل

لذا يرى حداد أن ما يحصل هو “انفجار غاضب في وجه نظام كامل حرم العراقيين بوقاحة من أي فرصة لحياة أفضل”.  ويقول إن “هذه الاحتجاجات عفوية”، أما كيف يمكن لأحزاب سياسية محاولة الاستفادة منها، “فتلك قصة أخرى”.

أقرت الحكومة بحق التظاهر، وأكدت على أن الدستور يكفل احتجاج الجماهير السلمي. لكنها بدت قلقة في الأيام الأولى للاحتجاجات التي ظهرت وكأنها تهدف إلى إسقاط نظام صار هشا في مرحلة ما بعد الانتخابات التي لم تنته فصولها حتى الآن.

وترجم توتر الحكومة في مشاهد عدة: أولا بقطع رئيس الوزراء حيدر العبادي زيارته إلى بروكسل متوجها مباشرة إلى البصرة سعيا إلى حلحلة الأمور، إضافة إلى عقد اجتماعات عدة في بغداد والمحافظات مع شيوخ العشائر ذوي النفوذ القوي في البلاد.

لكن الوضع ازداد تأجيجا رغم ذلك. من البصرة، امتدت نيران الغاضبين باتجاه محافظات ذي قار وميسان والنجف والمثنى وكربلاء في الجنوب الذي لم يصل إليه الجهاديون، لكنه كان منبعا للمقاتلين المساندين للقوى الأمنية في صفوف قوات الحشد الشعبي.

ويقول مقربون من الحكومة إن رئيس الوزراء حيدر العبادي تعرض لـ”الظلم” في هذه الاحتجاجات، مبررين أنه كان يحتاج إلى وقت أطول بعد تحرير البلاد لتنفيذ وعده بمكافحة الفساد الذي اعتبره “امتدادا لداعش”. لكن، المحلل السياسي العراقي هشام الهاشمي اعتبر أن العبادي هو “من ظلَم نهاية خدمته الناجحة عسكريا، نهاية تُحسب عليه”.

وفي محاولة لامتصاص الغضب، اتخذ رئيس الوزراء مجموعة من القرارات الهامة، منها صرف ما يقارب ثلاثة مليارات دولار لمشاريع في البصرة، من أجل فرص عمل ومساكن ومشاريع تحلية مياه وتعزيز الكهرباء. لكن الهاشمي يرى أن هذه الوعود لن تقنع المتظاهرين، خصوصا أن العبادي على أعتاب نهاية ولايته، والتجاذب السياسي لا يضمن له حتى الساعة ولاية جديدة تمكنه من تنفيذ وعوده.

ويذهب مراقبون عراقيون في ذات السياق مشيرين إلى أنه إذا ما كان العبادي قد أظهر نوعا من حسن النية في محاولته الاستجابة لبعض مطالب المحتجين عن طريق تخصيص أموال لمشاريع خدمية فإن تلك الاستجابة النظرية لا تلزمه بشيء محدد، فهو يعرف أنه سيغادر منصبه في وقت قريب، ذلك لأن هناك إجماعا شيعيا على رحيله، وهو يعرف ذلك جيدا، ما يدفعه إلى اللعب بأوراق لا تدينه في الوقت الضائع المتبقي له.

Thumbnail

مرور العاصفة

صادفت يوم 14 يوليو الذكرى الستين لثورة العام 1958 في العراق التي أطاحت بالمملكة العراقية الهاشمية التي أسسها الملك فيصل الأول تحت الرعاية البريطانية. وقارن كثيرون بين الأمس واليوم، واعتبروا انتفاضة الجنوب بداية ثورة. ودعا البعض، تحت تأثير الغضب، على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى قيام حكم عسكري في البلاد.

لكن تلك الدعوات سرعان ما انحسرت مع انقطاع خدمة الإنترنت، التي بررتها الحكومة بسبب عملية صيانة. ورغم عودة الخدمة، لا تزال وسائل التواصل الاجتماعي محجوبة حتى اليوم.

ويعتبر الهاشمي المقارنة “منطقا ضعيفا، إذ لا مطلب بتغيير النظام اليوم”. ويقول “رغم أن أسباب التظاهرات لا تزال قائمة، فإن هذه الاحتجاجات لن يكتب لها الاستمرار، لأن لا قيادة أو هوية سياسية لها، ولا سند إعلاميا أو عمقاَ دوليا”.

ومن المستبعد أن تؤدي الاحتجاجات المتصاعدة في مختلف محافظات العراق إلى إسقاط الحكومة. لا لأن حكومة العبادي تحتمي بأسوار المنطقة الخضراء المحصنة، بل لأن أسلوب الحكم المتبع في العراق لا يقر بإمكانية قيام الشعب بنزع الشرعية من الحكومة. وفي هذا الإطار، يوضح حداد أن المطالب “تتطرق إلى مشاكل طويلة الأمد تتطلب قدرة أكبر بكثير مما يمكن للطبقات السياسية العراقية الراهنة تقديمه”.

حيدر العبادي يجد نفسه واقفا بين خيارين؛ الأول يكمن في محاولة استرضاء المحتجين عبر وعود صار واضحا أنه لن يقوى على تنفيذها والثاني يتلخص في الاستجابة لمخطط التعامل بعنف مع التظاهرات من أجل ألا تنقلب الميليشيات عليه وتأخذ زمام المبادرة
حيدر العبادي يجد نفسه واقفا بين خيارين؛ الأول يكمن في محاولة استرضاء المحتجين عبر وعود صار واضحا أنه لن يقوى على تنفيذها والثاني يتلخص في الاستجابة لمخطط التعامل بعنف مع التظاهرات من أجل ألا تنقلب الميليشيات عليه وتأخذ زمام المبادرة

وعليه، يرى أن السلطة الحاكمة في العراق اليوم “ستتحصن وتنتظر مرور العاصفة، بينما تعرض التنازلات التجميلية والوعود بالإصلاح”.

ومن وجهة نظر ديمقراطيي العراق الجديد فإن الشعب يقول كلمته مرة واحدة، حين الانتخابات ومن بعدها عليه أن يتحمل النتائج. ولأن النظام السياسي في العراق قائم على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية فإن توقع أن يقدم وزير استقالته خيال لا أساس له في الواقع.

ويؤكد محتجون عراقيون ذلك بقولهم إن الوزير موجود في منصبه لا لكفاءته لكي يتعرض للمساءلة إذا ما حدث تقصير أو خلل في أداء لواجباته بل لأنه يمثل كتلته السياسية والحزبية في الحكومة.

وتبين التجارب العراقية بوضوح كيف أن الأحزاب المشتركة في الحكومة لا يمكن أن يتخلى واحد منها عن حصته لأي سبب من الأسباب، حتى لو كان مصلحة البلاد. وسبق لوزراء أن هربوا ولم يسبق لأحد من الوزراء أن استقال، بغض النظر عن الكارثة التي يلحقها وجوده في منصبه بالشعب، وهو ما ينطبق على وزير الكهرباء الحالي الذي لم تلق الحكومة عليه باللائمة أو تحمله أسباب تدهور الوضع الأمني.

حقيقة الدور الخارجي

بالرغم من أن مطالبات المحتجين لا تزال محصورة بالجانب الخدمي فإن هناك خشية لدى أطراف سياسية ودينية عديدة من أن تخرج تلك المطالبات من ذلك النطاق لتنتقل إلى الجانب السياسي.

وهنا يبرز جليا الدور الذي تلعبه الميليشيات الموالية لإيران في الحث على الرد الحاسم والسريع على الاحتجاجات بطريقة تؤدي إلى إنهائها بسرعة قبل أن تخرج أهدافها عن نطاق السيطرة.

وفي كل السياقات، يجد حيدر العبادي نفسه واقفا بين خيارين؛ الأول يكمن في محاولة استرضاء المحتجين عبر وعود، صار واضحا أنه لن يقوى على تنفيذها والثاني يتلخص في الاستجابة لمخطط التعامل بعنف مع التظاهرات من أجل ألا تنقلب الميليشيات عليه وتأخذ زمام المبادرة في التعامل مع الشارع.

ولأن العبادي صار يعاني من عزلة سياسية، فإنه يخشى أن يبدو الرجل الأضعف في المشهد السياسي العراقي إذا ما نزلت الميليشيات إلى الشوارع ضاربة عرض الحائط بما كان شائعا من أنها تتلقى الأوامر منه. وهذا ما يمكن أن يقود رئيس الوزراء المنتهية ولايته إلى إطلاق الأوامر لقوات الجيش والأمن بالصدام المباشر مع المحتجين من أجل إثبات شيء من القوة التي يعتقد أنه يحتاج إليها في مواجهة خصومه الذين يحاولون اليوم تبرئة أنفسهم مما انتهت إليه الأمور في البلد من أوضاع سيئة وتحميل العبادي وحده المسؤولية.

وفي كل السياقات، الواضح أن الاحتجاجات تترجم رغبة عراقية شعبية في التغيير، وما لم تخرج المرجعية الدينية عن صمتها المريب فإن الاحتجاجات قد تطالها وهو ما يفتح الباب على الإشهار عن الأسباب الحقيقية التي حالت بين الشعب وبين التعبير عن رفضه لسياسة الحكومات الطائفية التي قامت بعد الاحتلال. وستكشف تلك الأسباب عن الدور الذي لعبته المرجعية عبر السنوات الماضية في تضليل الشعب سياسيا تحت غطاء الخوف على المذهب.

6