احتجاجات العراق تثير تساؤلات حول وجهة أموال النفط

قادة النظام العراقي اعتمدوا على توزيع الوظائف الحكومية كوسيلة مضمونة للحفاظ على الولاء وتقاسم الموارد بينهم لتنمية شبكات شركائهم وحشد الدعم.
الجمعة 2019/11/15
النظام السياسي بيت الداء

بغداد- سامية كلاب- تتصاعد وتيرة الاحتجاجات في بغداد وغيرها من محافظات العراق، ويزداد معها منسوب العنف ضد المتظاهرين المتمسكين بمطلب إسقاط كامل الهيكل السياسي في البلاد.

بدأت هذه المطالب اقتصادية وتركّزت على تحسين الخدمات ومحاربة الفساد لتطال لاحقا كل المنظومة السياسية التي يعتبرها العراقيون مقصّرة، وهي أساس هذا الوضع المتردي الذي يدفع إلى طرح سؤال هام حول مسار أموال النفط وأين تصرف.

فشلت الحكومة في توفير وظائف وتحسين حياة شباب العراق الذين شكّلوا غالبية المحتجين في الشوارع. وقال هؤلاء إنهم اكتفوا من الفساد الحكومي الصريح والنقص في الخدمات الأساسية. ولقي أكثر من ثلاثمئة شخص مصرعهم وأصيب الآلاف منذ بدء الاضطرابات في مطلع شهر أكتوبر.

وقالت هدى، وهي ناشطة في البصرة، التي يفترض أن تتمتع بأعلى نسبة من صادرات النفط الخام العراقية، “نحن فقراء وعاطلون عن العمل رغم حقول النفط. أين تذهب الملايين من الدولارات؟”.

يبقى الزعماء العراقيون غير مستعدين لإصلاح النظام الذي قال الخبراء إنه غير مستدام بسبب قلة الموارد والاعتماد المفرط على سوق النفط المتقلب

ويتكرر صدى سؤال هدى بين مختلف العراقيين الذين يمثل النفط نسبة تتراوح من 85 إلى 90 بالمئة من عائدات بلادهم. ويتوقع الاقتصاديون أن تبلغ الميزانية الفيدرالية لهذا العام 79 مليار دولار بفضل أموال النفط، وذلك على أساس الصادرات المتوقعة التي قد تصل إلى 3.88 مليون برميل يوميا بسعر 56 دولارا للواحد.

وتحسن الاقتصاد العراقي سنة 2019 للزيادة المسجّلة في إنتاج النفط، ومن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.6 بالمئة بحلول نهاية السنة، وذلك وفقا للبنك الدولي.

لكن، نادرا ما يرى المواطن العراقي نتاج هذه الثروات بسبب سوء الإدارة المالية ونقص الكفاءة والبيروقراطية والفساد، إذ تبلغ نسبة البطالة الإجمالية حوالي 11 بالمئة بينما يعيش 22 بالمئة من السكان في فقر، وفقا لتقديرات نشرها البنك الدولي. وتعني هذه النسب أن ثلث الشباب العراقي بلا عمل.

وقال رئيس قسم الأبحاث في مركز البيان للدراسات والتخطيط، الذي يقع مقره في بغداد، علي المولوي، إن ثروة النفط تنفق على القطاع العام، وخاصة على الرواتب، وهو ما يعدّ من المشاكل الرئيسية في البلاد.

مكّن النظام العراقي المصمم لتقاسم السلطة طائفيا، والذي يعرف باسم المحاصصة، النخب السياسية من الحكم بناء على الاتفاقيات غير الرسمية، مما همّش دور البرلمان وأقصى المواطنين.

في الحقيقة، ساهم هذا نظام في تقاسم الموارد بين القادة السياسيين الذين يتنافسون في ما بينهم على تنمية شبكات شركائهم وحشد الدعم. لتحقيق ذلك، اعتمد الزعماء على توزيع الوظائف الحكومية كوسيلة مضمونة للحفاظ على الولاء.

سوء التخطيط والإدارة
سوء التخطيط والإدارة

وأدى هذا التكتيك إلى تضخيم القطاع العام واستنزاف ميزانية العراق الممولة من النفط، مما ترك أموالا لا تكفي للاستثمار في المشاريع الاجتماعية والبنية التحتية التي تعد البلاد في أمسّ الحاجة إليها. وفي ميزانية سنة 2019، شكلت تعويضات القطاع العام حوالي 40 بالمئة من الإنفاق الحكومي.

نما القطاع العام في العراق بالتوازي مع تطور صناعة النفط في البلاد بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة سنة 2003. ومع تسابق شركات النفط العالمية الكبرى على تطوير حقول النفط في البلاد، ارتفع عدد الموظفين الحكوميين ثلاثة أضعاف خلال السنوات الـ16 الماضية، وذلك وفقا لأبحاث المولوي.

ومثّل منح الوظائف وسيلة لجأ إليها السياسيون العراقيون لقمع الاحتجاجات في الماضي. وأدرج رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي الآلاف من الموظفين في حزمة إصلاحات قدّمها خلال الشهر الماضي. لكن، قال الخبراء إن هذا النهج سيديم المشكلة.

ويقول الباحث في معهد الدراسات الإقليمية والدولية في السليمانية بشمال العراق، أحمد الطبقشلي، إن الارتباط الوثيق بين قطاع النفط ونظام المحاصصة العراقي خلق نسخة شبه ميتة لظاهرة نموذجية.

وبسبب الشبكات المتعددة اللامركزية التي أدى النظام المعتمد إلى تشكيلها، تصعب متابعة كيفية إنفاق الوزارات لميزانياتها لنقص الشفافية والمساءلة.

وخصصت الميزانية الوطنية مبالغ تزايدت كل سنة للسلع والخدمات، والتي يمكن أن تمتدّ من مشاريع الخدمة العامة إلى نفقات صيانة مبنى الوزارة. وقال المولوي إن الأمور معقّدة بسبب سوء التخطيط والإدارة. وأشار إلى أن ميزانية العام الماضي انتهت بفائض يبلغ حوالي 21 مليار دولار، مضيفا أن ذلك لا يرجع إلى كثرة الأموال، بل لعدم تحديد طريقة واضحة تنظم كيفية إنفاقه.

وقال مسؤول عراقي طلب عدم الكشف عن اسمه بسبب اللوائح التنظيمية إن الأموال التي تخصصها الحكومة أو المنظمات الدولية لمشاريع تهمّ الخدمات تنفق على مسؤولي الوزارة لتغطية النفقات.

مكّن النظام العراقي المصمم لتقاسم السلطة طائفيا، والذي يعرف باسم المحاصصة، النخب السياسية من الحكم بناء على الاتفاقيات غير الرسمية، مما همّش دور البرلمان

وقال إن المسؤولين يجمعون كل الميزانيات ثم “يضعون أولويات تافهة مدعين بأن الأموال ليست كافية للمشروع”. وأكد المسؤول أن الأموال تستخدم لسداد الديون المتراكمة خلال السنوات السابقة. وفي الوقت نفسه، تبقى المشاريع الملحّة غير مكتملة.

تنهار المباني المدرسية في البصرة التي تتمتع بنصيب الأسد من صادرات النفط. وقال مدير مدرسة الأكرمين في أبوالخصيب، عبدالحسين عبدالخضر، إنه طلب من مديرية العامة للتعليم تخصيص نفقات لترميم مبنى المدرسة التي بنيت سنة 1972. ولكن طلبه رُفض لعدم توفر المال الكافي.

وأضاف “أنا أعتمد على الأهالي والمتطوعين لتقديم الأثاث، والحفاظ على نظافة المكان حتى يتمكّن التلاميذ من مزاولة تعليمهم”.

يبقى الزعماء العراقيون غير مستعدين لإصلاح النظام الذي قال الخبراء إنه غير مستدام بسبب قلة الموارد والاعتماد المفرط على سوق النفط المتقلب. لكن، بُذلت محاولات جادة في أعقاب الأزمة المالية التي حلت بالبلاد سنة 2015، عندما اتخذت حكومة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي تدابير تقشفية. وعندما انتعشت أسعار النفط، تفوّق الضغط السياسي على تدابير الإنفاق الصارمة. وشهدت حكومة عبدالمهدي زيادة بنسبة 25 بالمئة في الإنفاق الحكومي مقارنة بالسنوات الأخيرة.

7