احتجاجات المصريين الأخيرة: رسائل لتغيير عقلية السلطة

الحديث عن فض مظاهرات غير مرخص لها من قبل السلطات يعتبر أمرا منطقيا في حالة إن كانت تلك الاحتجاجات مقيدة بطبيعة تلك المظاهرات (إن لم تكن سلمية) وأيضا بعدد المتظاهرين والمطالب التي يرفعونها، وهذا ما اعتيد عليه اليوم في التحركات التي جاءت مع موجة الربيع العربي. لكن ما حدث في القاهرة الجمعة الماضية لا يمكن أن يخضع إلى هذه الحسابات الأمنية، فهي تحركات تخفي وراءها عمقا سياسيا وجب الوقوف عنده طويلا.
الاثنين 2016/04/18
زهرة الشعبية تذبل تدريجيا

القاهرة - تقول التقارير الصحافية إن عدد المتظاهرين كان كبيرا في ميادين وشوارع القاهرة، خاصة بعد إعلان الحركات الليبرالية واليسارية انضمامها إلى دعوات النشطاء للتظاهر احتجاجا على إعادة ترسيم الحدود بين مصر والمملكة العربية السعودية بما أدّى إلى إعادة الجزيرتين إلى الطرف السعودي. الملفت للانتباه أن تحول كتل سياسية متعددة إلى الشوارع للتظاهر ينبئ بتعميق أزمة المؤسسات الرسمية للدولة والحكومة والرئيس عبدالفتاح السيسي من جهة مع الواقع السياسي والشعبي من جهة أخرى، ولئن اختلف البعض في تقييم هذه الأزمة، إلا أن الجميع لا ينكر وجودها.

حلقة الإخوان

تحت شعار “الأرض هي العرض” بدأت حملة حركة الإخوان المسلمين لشحن قواعدها وحثهم على النزول إلى الشارع احتجاجا على إعادة الجزيرتين تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية. ولئن لوحظ تغير في طبيعة الشعارات التي يرفعها الإخوان، وهذا له تفسيره، إلا أن الأهم في المشهد أن الحركة المصنفة إرهابية في مصر استغلت فرصة الكثرة السياسية والتنوع للاندساس في الشارع مرة أخرى، وذلك لحسابات داخلية تهم اختبار جهوزية التنظيم ومتانته تحت وقع الخلافات والانشقاقات داخل الحركة الإرهابية، وأيضا لتحويل الشارع إلى حالة من الزخم يعرف الإخوان أنها لن تؤثر على سير حركة النظام الحالي وإنما لإقحام أكثر ما يمكن من الأطراف في إشكال مع السلطات لتوفير مادة للمزايدات السياسية لاحقا.

وقد أكد عدد من المراقبين أن استراتيجية الإخوان المسلمين في الاحتجاجات الأخيرة ترتكز على تغيير جزئي في طبيعة شعاراتها. إذ تلاحظ الصحف المصرية تغير تلك الشعارات من مطالب تحوم حول الشريعة والقوانين الإسلامية والدين وغيرها، لتصبح شعارات ذات شحنة وطنية تتحدث عن السيادة والأرض وغيرها، وكأنها محاولة للانتقام المزدوج من النظام المصري الحالي الذي جاء نتيجة ثورة شعبية على حكم الإخوان، وأيضا من المملكة العربية السعودية صاحبة الموقف المعادي للجماعة الإسلامية التي لا تزال تمثل خطرا إقليميا على الأمن العربي الشامل لارتباطاتها الإقليمية المعادية.

مشاركة الإخوان المسلمين في الاحتجاجات حول الجزيرتين لا تخفي عيوبا قد يكون النظام المصري مرتبكا حيال تجاوزها بحكم عدد من العوامل الداخلية والخارجية، لكن أن تكون الاحتجاجات مدخلا لفتح حساب سياسي جديد للإخوان فهنا يكمن المشكل.

خطاب الرئيس السيسي لم يتمكن من أن يحسم هذه الموجة حتى بتحذيره من خطر الانتحار القومي

النظام مرتبك

مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني واختطاف الطائرة المصرية وتحويل وجهتها إلى قبرص واتفاقية إعادة رسم الحدود بين مصر والسعودية، أحداث ثلاثة أثرت في المزاج العام للشارع المصري مؤخرا، وأعادت الميادين إلى حالة الامتلاء مرة أخرى لتكشف عدم قدرة النظام المصري الحالي على التحكم في الوضع العام بشكل يمنح الاستقرار الثابت حتى يتمكن البرلمان من عمله التشريعي وتسري الاتفاقات الاستثمارية والمشاريع الاقتصادية بنجاعة في العمق المصري.

بدأ اهتزاز الثقة بين الشارع المصري ومؤسسات الدولة مع السلوك الرسمي إزاء مقتل الطالب الإيطالي ريجيني، ففي البداية كان نفي وزير الداخلية المصري مجدي عبدالغفار لأن تكون الشرطة المصرية هي التي قتلت الطالب الإيطالي مقدمة لحملة مكثفة من الجانب الإيطالي الذي كان يميل إلى رواية الشارع المصري في أن الطالب قتل تحت التعذيب. وبعد فترة وجيزة من الضغط العالي الإيطالي اعترف وزير العدل المقال المستشار أحمد الزند للمرة الأولى بمقتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني بالتعذيب خلال حواره الأخير (قبل إقالته) مع الإعلامي حمدي رزق، مؤكدا على أن الطب الشرعي قدّم تقريرا حقيقيا عن الإصابات الموجودة بجثمان الطالب الراحل.

ما زاد الأمر توترا بين الشارع وبعض الحساسيات السياسية حادثة اختطاف الطائرة المصرية التي كانت متجهة إلى القاهرة فأصبح اتجاهها قبرص. وقد أكدت تقارير أن الاعتقاد الذي كان سائدا في الشارع المصري هو أن النظام قد دبر عملية الاختطاف كي يغطي على قرار الرئيس عبدالفتاح السيسي بإقالة هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات.

في خضم هذه الأحداث التي يمكن أن لا تشغل كثيرا الرأي العام المصري، إلا في حدود النشطاء والسياسيين، يأتي الاتفاق الثنائي بين المملكة العربية السعودية ومصر الذي شمل إعادة رسم الحدود بين البلدين في ما يتعلق بجزيرتي صنافير وتيران. ردة الفعل التي صاحبت هذا الاتفاق تعدّ في حدّ ذاتها حدثا قد يحوّل الشارع إلى حالة من الهستيريا فتتطور الأحداث ككرة الثلج ويصبح التعاطي مع الاحتجاجات والمظاهرات في المستقبل أمرا أصعب بكثير من الواقع الحالي، وهذا ما يخيف المراقبين الآن خاصة من ناحية تعاطي الأجهزة الأمنية مع حركة الشارع.

جماعة الإخوان المسلمين استغلت فرصة التنوع السياسي للاندساس في الشارع مرة أخرى لحسابات داخلية

وقد طالب عضو جبهة الدفاع عن متظاهري مصر المحامي مختار منير بإطلاق سراح كل الموقوفين على خلفية الاحتجاجات الأخيرة، مشيرا إلى أن استعمال سياسة القمع مع هذه التحركات سوف يزيد الأمر تعقيدا، كما استنكر محسن الحلاج، أمين إعلام حزب الكرامة بالإسكندرية، قيام قوات الأمن بتفريق التظاهرات وطالب بالإفراج عن الموقوفين فورا.

وتؤكد الأخبار أن حملة اعتقالات طالت المتظاهرين في أسوان والإسكندرية والبحر الأحمر والقاهرة وعدد من المدن الأخرى. وقد أدّت هذه الحملات إلى مزيد الاحتقان في الشارع المصري، وتفاقم الدعوات المطالبة بمزيد التظاهر. وهذا ما يخدم أطرافا سياسية بعينها في تصوير الأمر على أنه ردّ عنيف من النظام على تشكيكات الشارع في مصداقية المؤسسات والدولة. ولم يتمكن خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسي من أن يحسم هذه الموجة حتى بتحذيره من خطر “الانتحار القومي” المنجرّ عن عدم تصديق المواطنين للخطاب الرسمي والمؤسساتي المصري.

هل تغيرت السياسات

الجنيه المصري في أدنى مستوى له على الإطلاق وقيمته تتآكل، فبعدما كان أغلى من الدولار الأميركي عام 1989، بات سعر الدولار اليوم يناهز عشرة جنيهات. ويؤشر تراجع قيمة الجنيه المصري أمام العملة العالمية إلى تراجع حاد في نسب النمو الاقتصادي وضعف في إقرار البرامج التنموية، الأمر الذي دفع بسياسة الدولة إلى التركيز أكثر على الاستثمارات الخارجية، وهو ما جعل هذه السياسة في جزء منها على خط المواجهة مع مطالب الشارع التي تستعجل تحسين الظروف.

ويعيد متابعون للشأن المصري حقيقة الاحتجاجات المتواصلة في الشارع إلى الوضعية الاقتصادية المتردية للمصريين، وأن الأمر لا ينمّ عن رغبة في تهديد النظام الحالي أو العمل على تقويضه، بقدر ما تريد الحساسيات السياسية والنشطاء بعث رسالة إلى السلطة مفادها أنه “على الحكومة والرئيس والبرلمان الآن التعجيل بإيجاد الحلول العملية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها مصر”، حسب تصريح أحمد دراج أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة لـ”العرب”.

ومن المعروف عن كل الحركات الاحتجاجية في التاريخ أنها تعود بالأساس إلى حالة من الاحتقان الناتجة عن عدم وجود إجراءات تنموية لصالح الفئات الاجتماعية، خاصة المهمشة، أو في حالة تأخر نتائجها مثلما تشهد الحالة المصرية الآن. فكل الاتفاقات والتفاهمات الاقتصادية المصرية التي عُقدت مع دول إقليمية وقوى دولية لم تؤت بعد ثمارها نظرا إلى أنها مشاريع استراتيجية ذات مدى متوسط وبعيد. وليست مصر فقط هي التي تعاني من هذا المشكل في دول الربيع العربي، إنما يعتبر المثال التونسي مشابها للحالة المصرية إلى حدود بعيدة.

وتعتبر المطالب الاجتماعية ذات السقف المرتفع التي يطالب بها المحتجون منذ فترة، قوة ضغط على الحكومة المصرية التي وضعت في منطقة إحراج سياسي، فتلك المطالب تجبر الحكومة على اتخاذ سياسات جريئة خاصة على المستوى الخارجي ولكن تلك الجرأة في الشارع تقابل باحتجاج ورفض لا يتركان سوى سبيل استعمال القوة أمام السلطات.

6