احتجاجات عفوية في العراق بلا سياسيين ولا معمّمين

المنظومة السياسية تفشل في احتواء غضب الشارع ضد الفساد وسوء الخدمات والنفوذ الإيراني.
الجمعة 2019/10/04
حراك شعبي غير مسيس لا صلة له بأي حزب أو عشيرة

فشلت الحكومة العراقية في احتواء موجة احتجاجات متصاعدة مناهضة للفساد والبطالة وسوء الخدمات، وضد كل المنظومة السياسية التي ظهرت بعد الغزو الأميركي للعراق في 2003. ومنذ الأول من أكتوبر خرج شباب العراق متجردين من كل الأيديولوجيات كما تحرر الحراك الشعبي من كل قيود الطائفية التي كان يرسمها تصدر التيار الصدري للاحتجاجات.

بغداد – للمرة الأولى، رفع المحتجون في العراق سقف مطالبهم منادين بإسقاط الحكومة. وخرجوا معترضين على الفساد والمحسوبية والبطالة مجردين من كل الانتماءات العقائدية والأيديولوجية. الهدف نصب أعينهم واضح: وهو تغيير الطبقة السياسية الحاكمة منذ أكثر من 15 عاما.

شهد العراق في سنوات ماضية احتجاجات ضد الطائفية وضد الفساد، لكن لم تكن بقوة وصرامة هذا الانفجار الشعبي الذي تشهده البلاد من أيام، وقد جاء نتيجة لتراكم سنوات من الغضب الذي كان معلقا بحجة الحرب ضد الإرهاب وبسبب فوضى مرحلة ما بعد الغزو الأميركي بكل تمظهراتها الطائفية والسياسية.

بعد سقوط نظام صدام حسين، اندلعت حرب طائفية لم يعتد عليها العراقيون. وقتل كثيرون وعُزلت المناطق طائفيا ومُزق النسيج الاجتماعي، وشق الإرهاب طريقه في قلب العراق، لكن صمت العراقيون على الفساد وسوء الخدمات العامة الأساسية من قبيل الكهرباء والصحة والماء وانتشار الأمية، فضلا عن البطالة والفقر والتهجير.

اليوم، انتهت الحرب على الإرهاب، واعتاد العراقيون على رؤية الدماء، ولم تعد أخبار التفجيرات تفزعهم كما السابق. ولم يعد هناك معنى للاحتلال الأميركي.

ويعلم العراقيون أن واشنطن لا تهتم سوى بمصير جنودها والآلاف من العاملين في المرافق الدبلوماسية والشركات الأميركية. وستبذل ما يلزم من الجهود للحفاظ على العملية السياسية من منطلق عدم انزلاق العراق إلى حالة من عدم الاستقرار وغياب سلطة الدولة العراقية، متجاهلة أن هذه السلطة مفقودة أصلا منذ أن تحول العراق إلى حامية إيرانية تحكمها ميليشيات ترفع راية الطائفة قبل راية الوطن وسياسيون تحركهم النوازع الطائفية ويسيطر عليهم الفساد.

في ظل كل هذه الأوضاع كان من الطبيعي أن تنفجر القنبلة الموقوتة في وجه كل من يمثل مرحلة ما بعد الغزو الأميركي من سياسيين وأصحاب عمائم.

مظاهرات تلقائية

احتجاجات تتحدى الفساد و"عنف" الحكومة
احتجاجات تتحدى الفساد و"عنف" الحكومة

لا يريد المتظاهرون في العراق “لا سياسيين ولا معمّمين”. خرجوا من تلقاء أنفسهم، في حين أنهم في موجات احتجاجات سابقة في سنوات 2016 و2018، كان غالبا التيار الصدري، بالتحالف مع قوى سياسية أخرى، التيار المدني والحزب الشيوعي، هو المنظم لها بسقف مطالب لا تتعدى الخدمات والإصلاح السياسي ومكافحة الفساد.

وكان العراقيون أعلنوا عن غضبهم في احتجاجات سابقة وأيضا خلال الانتخابات البرلمانية في مارس 2018، لكن الطبقة السياسية لم تأخذ بالا بهذه الأصوات، خاصة بعد أن نجحت في تجاوز المأزق وانقلبت الأحزاب الموالية لإيران داخل العراق، ذات الأغلبية في البرلمان على نتائج الانتخابات.

ونجح الانقلاب نظرا لسيطرة التوجهات الانتهازية، فتحالف سائرون الذي شكل الحدث في تلك الانتخابات لم يكن سوى تركيبة متناقضة جمعت رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر بالحزب الشيوعي العراقي.

والتقت المصالح بين التيار الصدري والحزب الشيوعي العراقي، في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية، عندما أطلق الحزب الشيوعي والقوى السياسية المدنية في البلاد احتجاجات شعبية تطالب بإصلاح العملية السياسية وإنهاء الطائفية والفساد.وازدادت هذه الاحتجاجات زخما وقوة حين ألقى الصدر في 2016، عبر خطابه من المنطقة الخضراء، في حدث تاريخي استحضره الكثير من العراقيون يوم التصويت، لكن بعد ذلك خفتت الأصوات ولم يتم تغيير المعادلة لصالح الاحتجاجات.

موت أسطورة

أحزاب سرقت أحلام المتظاهرين
حراك شعبي غير مسيس

التظاهرات التي انطلقت في الأول من أكتوبر 2019، أيا كانت نتيجتها، ستظهر شيئا واحدا للعراقيين ولأولئك الذين يراقبونهم.

يؤكد ذلك فق الباحث في معهد الشرق الأوسط فنر حداد، بقله أن “الأسطورة القائلة إن أتباع مقتدى الصدر هم فقط الذين يستطيعون إخراج الناس إلى الشوارع ماتت”.

ويضيف حداد “مع انتهاء الحرب ضد داعش، عادت إخفاقات الطبقات السياسية العراقية في جميع جوانب الحكم والإدارة الاقتصادية بقوة إلى الواجهة”، بدءا من الانقطاع الكبير للكهرباء ومرورا بنقص المياه وانعدام الخدمات، وصولا إلى توفير فرص العمل، مطالب جعلت الآلاف يصرخون على مدى عشرة أيام “أين الحكومة؟”. ويضيف أن الطبيعة العفوية للاحتجاجات، هي الامتحان الأول لحكومة عبدالمهدي، ويقول “هذه هي المرة الأولى التي توجد فيها تظاهرات حاشدة وعنيفة دون مشاركة التيار الصدري”.

ويؤكد على ذلك، المتظاهر مجيد ساهر (34 عاما) في بغداد “هذا الحراك لا يشبه أي شيء قبله. حراك شعبي، غير مسيس، ولا صلة له بأي حزب أو عشيرة”.

ويؤكد المتظاهرون أن التجمعات الكبيرة التي خرجت في بغداد ومدن رئيسية عدة في جنوب البلاد لم تتشكل بدعوة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر أو المرجع الأعلى آية الله السيد علي السيستاني الذي يعد رأيه حاسما إلى حد ما في القرارات السياسية العراقية. وهي المرة الأولى التي تحصل فيها مثل هذه الاحتجاجات العفوية.

ويقول حسين محمد “لا قائد في التظاهرات، أنظروا إلى عددنا! كلنا شباب، وكلنا عاطلون عن العمل”. وتطال البطالة 25 بالمئة من الشباب العراقي، بينما القطاع العام الذي كان ملجأ جميع خريجي الجامعات خلال عهد صدام حسين، أصابه التضخم ولم يعد قادرا على استيعابهم.

وبشكل شبه يومي تقريبا وفي كل مدينة أو ناحية من العراق، ينظم الخريجون العاطلون عن العمل اعتصامات متواضعة تقابل بلامبالاة، لكن هذه المرة، نزل هؤلاء بكثافة إلى الشوارع، والتحق بهم كل ساخط على حكومة عادل عبدالمهدي التي تطفئ شمعتها الأولى نهاية الشهر الحالي. ويطالب المحتجون بمحاسبة الفاسدين ومكافحة البطالة، وصولا إلى رفض تنحية قائد عسكري يتمتع بشعبية.

ويواجه عبدالمهدي ما واجهه قبله حيدر العبادي. ويقول خبراء إن أي حكومة ستأتي بنفس مواصفات الحكومة الراهنة أو الحكومات السابقة ستلاقي نفس الغضب. وحتى تستطيع الحكومة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لوضع الدولة على قاعدة قوية، يجب عليها أن تتمتع بدعم شعبي قوي، وحتى تحصل الحكومة على هذا الدعم عليها أن تكون حكومة عراقية موجهة لخدمة العراقيين لا حكومة تدين بدين إيران وتشرعن تفوق ميليشيات الحشد الشعبي.

أحلام مسروقة

تطالب نسرين محمد (46 عاما) بـ”رحيل” الجميع قائلة “لا نحصل من الحكومة والسياسيين إلا على الأكاذيب والوعود التي لا يوفون بها أبدا. الأحزاب سرقت كل أحلامنا”. وتضيف “لا مكان للفقراء في هذا البلد”.

ويقول العسكري السابق وليد أحمد، الذي لا يتوقف عن السعال وسط أعمدة الدخان الأسود المتصاعدة من الإطارات التي أشعلها المتظاهرون عند التقاطعات الرئيسية في بغداد الأربعاء، إنه لا يمكن لهذا الحراك أن يسقط بأيدي سياسيين. ويضيف “مشكلتنا الأولى هي الفساد، لقد قتلنا. اليوم، نحن نريد فقط الشعب وبلدنا. لا نريد الأحزاب السياسية أو الشخصيات البارزة أو المعممين، لا نريدهم أن ينضموا إلى حراكنا”.

7