احتجاجات في كورسيكا الفرنسية تطالب بترحيل العرب

فرنسا تستعد لوداع سنة مليئة بالمحن الأمنية والتعقيدات الاجتماعية والاعتداءات الإرهابية، ووسط كل ذلك يطفو على سطح المشهد السياسي خطر ظاهرة الإسلاموفوبيا التي تهدد مبدأ العيش المشترك تحت سقف “الجمهورية” بين مختلف مكونات المجتمع الفرنسي.
الاثنين 2015/12/28
بوابات أوروبا الجديدة

كورسيكا (فرنسا) – بعد اعتداء مجموعة من المتظاهرين على قاعة صلاة للمسلمين في حي حدائق الإمبراطور كرد فعل على إصابة إطفائيين وشرطي بجروح خلال كمين نصبه ملثمون، يخشى المسلمون في جزيرة كورسيكا الفرنسية انتشار العداء والكراهية ضدهم.

وفي خطوة لمنع أي مظاهر عنصرية، حظرت السلطات الفرنسية التظاهرات في أجزاء من مدينة أجاكسيو عاصمة جزيرة كورسيكا، الأحد، في أعقاب يومين من الاحتجاجات المعادية للعرب والتوترات الطائفية.

وأغلقت السلطات الأمنية كذلك مجمع “غاردن دي لا أمبيرور” السكني فيما صرح رئيس إدارة كورسيكا كريستوف ميرمان لوكالة الصحافة الفرنسية أن الحظر مستمر حتى الرابع من يناير المقبل على أقل تقدير وسيشمل “جميع الاحتجاجات والتجمعات".

وتوالت ردود الفعل في الجزيرة، فتظاهر قرابة مئة شخص مجددا أمس الأول في العديد من المناطق التي تسكنها الطبقة العاملة في أجاكسيو وهم يرددون عبارات معادية للعرب مثل “العرب الى الخارج” و”هذه بلدنا”.

وذكر شهود عيان وهم من سكان الحي الشعبي حدائق الإمبراطور في أجاكسيو الذي شهد الأحداث أن الاعتداء على الإطفائيين قامت به “مجموعة صغيرة من الشبان”.

مانويل فالس: بعد الاعتداء على إطفائيين، يأتي تدنيس غير مقبول لمكان صلاة المسلمين

وقال أحد الشهود إن “هذا ناجم عن تخلي الأهل عن دورهم، إنها مشكلة تربية”، مؤكدا “أننا نريد أن نعيش جميعا بلا مشاكل”.

وبلغ الوضع هذا التوتر بعد أن تجمع بعد الحادثة قرابة 600 شخص تعبيرا عن دعمهم للإطفائيين والشرطي وما لبث أن قرر العشرات منهم التوجه إلى مكان الاعتداء وحاولوا العثور على المنفذين، غير أن الشرطة منعتهم.

هذه الحوادث تأتي في أجواء من التوتر في فرنسا بعد اعتداءات للجهاديين أسفرت عن سقوط 130 قتيلا في باريس في 13 نوفمبر الماضي، وكذلك بعد فوز القوميين الكورسيكيين في انتخابات المناطق التي شهدت صعودا لليمين المتطرف.

وكانت الحكومة الفرنسية قد نددت بهذا الحادث في وقت سابق، وكتب رئيس الوزراء مانويل فالس تغريدة في حسابه على “تويتر” قائلا “بعد الاعتداء غير المقبول على إطفائيين، يأتي تدنيس غير مقبول لمكان صلاة المسلمين”.

وفي حين طلب رئيس إدارة كورسيكا وقف التظاهرات ووعد بأن يكون “رجال الشرطة موجودين في كل الأحياء”، اعتبر وزير الداخلية برنار كازنوف أن الهجمات تنم عن تعصب وتتسم بالعنصرية وكره الأجانب.

من ناحيته، ندد المرصد الوطني لمناهضة كراهية الإسلام، التابع للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، بشدة بهذه الأحداث التي جرت “في يوم صلاة للمسلمين وللمسيحيين”، في إشارة إلى وقوع عيد ميلاد السيد المسيح هذا العام في اليوم نفسه للاحتفال بالمولد النبوي الشريف.

رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أنور كبيبش، دعا في بيان المواطنين إلى الهدوء، بينما دعا اتحاد مساجد فرنسا السلطات العامة إلى “تعزيز وسائل” حول أماكن العبادة و”مسلمي فرنسا” إلى “اليقظة وضبط النفس في مواجهة أي استفزازت”.

ووسط دعوات التهدئة، اعتبر حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في بيان له أنه “حين يشعر المواطنون بأن الدولة لا تبسط النظام الجمهوري، فإن ذلك يولد خطرا أكيدا إذا تولوا إحقاق العدل بأيديهم”.

برنار كازنوف: الهجمات في مدينة أجاكسيو تنم عن تعصب وتتسم بالعنصرية وكره الأجانب

ويقول المراقبون إن الشيء الذي يزيد الأوضاع سوءا هو عدم اعتراف الفرنسيين بواقع العنصرية في بلدهم، لأن العديدين منهم يتصرفون بحقد تجاه العرب والسود والآسيويين في الحياة اليومية، من جهة، ومن جهة أخرى هم يعلنون عن التزامهم بمبادئ الجمهورية التي لا تميز بين أبنائها.

وإذا كانت أفكار الكراهية تستهدف اليهود الفرنسيين في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، فإنها اليوم تستهدف بالدرجة الأولى المسلمين الفرنسيين. ومن المؤكد أن العنصرية الحالية تعكس وضعا شبه استعماري يميز بين فرنسيي الأصل والفرنسيين المهاجرين، وهو وضع مهين ساهم بشكل كبير في تعنيف المجتمع.

ودبت مخاوف في صفوف العرب والمسلمين من هجمة عنصرية “شرسة” جديدة قد تطالهم، فليست المرة الأولى التي تتعرض لها هذه الأقلية في كورسيكا إلى مثل هكذا اعتداءات.

فقبل أشهر، ارتفع منسوب العنصرية لدى بعض سكان هذه الجزيرة بعد أن منعوا أولادهم التلاميذ من أداء أغنية جون لينون “تخيل” مترجمة إلى العربية، وتحولت الحادثة إلى قضية سياسية واجتماعية.

وعلى الرغم من الكراهية ضد الفرنسيين المسلمين وإمكانية ارتكاب أعمال عنف في حقهم، فإن المرجعية القانونية ولغة حقوق الإنسان تظلان أهم وسيلتين لحماية حقوقهم أمام الرأي العام العالمي، وهو ما تسعى إليه الحكومة منذ أن ضرب العاصمة باريس الإرهاب هذا العام.

ظاهرة الإسلاموفوبيا تنامت في فرنسا جراء توجيه البعض من القوى أصابع الاتهام إلى الجالية الفرنسية المسلمة، معتبرة أنها توفر بيئة حاضنة لهذا الفكر المتطرف الذي يشجع الاعتداءات الإرهابية.

وبالرغم من أن أصوات نافذة لمسلمي فرنسا ارتفعت وأطلقت إنذارات قوية من تفشي هذه الظاهرة وطالبت بعدم الخلط بين فرنسيين مسلمين يمارسون

ديانتهم بسلام وهدوء وأقلية من شباب استقطبهم الخطاب المتطرف، إلا أن هذا الخطاب الحاقد على الإسلام والمسلمين أصبح يلقى آذانا صاغية داخل المجتمع الفرنسي ويعد تعبيرا سياسيا لهذه الظاهرة، كما وثق ذلك المرصد الوطني لمحاربة الإسلاموفوبيا التابع للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.

5