احتجاجات في ولايات تونسية بسبب تجدد انقطاع المياه

احتجاجات في عدة مدن تونسية على خلفية انقطاع المياه الصالحة للشرب، ومراقبون يحملون المسؤولية لصمت الحكومة إزاء هذه القضايا العالقة.
السبت 2018/02/24
نذر أزمة مياه جنوب تونس

تونس -  تجددت الاحتجاجات في الولايات (المحافظات) التونسية بسبب عودة انقطاع مياه الشرب في الوقت الذي تركز فيه الحكومة على الشأن السياسي والاستعداد لسباق الانتخابات البلدية (المحلية) المقرر إجراؤها في مايو القادم، ما جعلها تغفل عن القضايا المعيشية خاصة لمواطني المدن الداخلية التي تعاني من التهميش والبطالة وغياب فرص التنمية.  

وأقدمت مجموعة من متساكني ولاية قفصة (جنوب غرب البلاد)، الجمعة، على غلق طريق بالجهة احتجاجا على الانقطاع المتكرر للماء الصالح للشرب على مدى ثلاثة أيام.

ومثلت ولاية قفصة أكثر المدن إبلاغًا عن انقطاع المياه تلتها القصرين وصفاقس. وعانت مدينة بنقردان (جنوب شرق تونس) من انقطاع الماء الصالح للشرب طيلة أربعة أيام، الأسبوع الماضي، ونظم سكان المدينة مسيرة سلمية في اتّجاه مقر شركة استغلال وتوزيع المياه الحكومية بالجهة أين تجمع المئات من السكان.

وطالب المحتجون سلط الإشراف المحليّة والمركزية بضرورة إيجاد حلول جذرية لمشكلة انقطاع المياه. كما أصدرت عدة جمعيات ومنظمات بيانات استنكار على خلفية تواصل قطع الماء دون مبرر رسمي.

وعبر مواطنون عن تذمرهم من هذه الوضعية الصعبة وحرمانهم من المياه من فترة إلى أخرى باعتبارها ضرورة حياتية وواحدة من حقوقهم الأساسية كما نددوا بتقصير سلط الإشراف في التواصل مع شكواهم وتجاهلها.

عبدالستار السحباني: الرهان هو منح الانتخابات دورا للسلطة المحلية لمعالجة مشاكل الجهات
عبدالستار السحباني: الرهان هو منح الانتخابات دورا للسلطة المحلية لمعالجة مشاكل الجهات

واعتبروا أن في ذلك استهتارا وتقصيرا من السلطات التي تركز على مكاسبها السياسية في إطار الصراع على السلطة، في حين أنها تماطل في إيجاد حلول لإشكالات تؤرقهم منذ عدة سنوات. واضطرت تونس لأول مرة في تاريخها الصائفة الماضية إلى استعمال جزء من مخزونها الاستراتيجي من المياه لمواجهة النقص الحاد في الموارد المائية بفعل موجة الجفاف التي تعيش على وقعها البلاد منذ أكثر من سنتين.

وسجل شهر يونيو الماضي 182 حالة قطع للمياه الصالحة للشرب و40 احتجاجًا بسبب اضطراب التزود بالمياه و23 حالة تسرب مياه من الشبكة، بالإضافة إلى 12 حالة إبلاغ عن مياه غير صالحة للشرب، بحسب المرصد التونسي للمياه.

وقال زهير المغزاوي الأمين العام لحركة الشعب لـ”العرب” إن “نقص المياه مشكلة عويصة في الجنوب التونسي بسبب العوامل المناخية وشح الأمطار وبسبب استعمال جزء كبير من المياه في غسل الفسفاط وهو ما أثر على كميات استهلاك المواطن للمياه”.

ويعتقد المغزاوي أن “غياب رؤية حكومية واضحة أدى إلى تفاقم هذه المشكلة. وتابع “نستغرب من أن قفصة المدينة الفلاحية والمنجمية ينقطع عنها الماء في فصل الشتاء”.

وتصنف تونس ضمن الدول التي تعاني شحًّا في المياه، إذ سجلت حصة الفرد أقل من 500 متر مكعب من المياه سنويًا، مقارنة مع 700 متر مكعب كمتوسط عالمي، وهو ما تعتبره منظمة “GIZ” الألمانية غير الحكومية التي تشرف على دراسة استغلال الماء في تونس، معدلا ضعيفا.

وتشير إحصائيات رسمية إلى أن معدل الموارد المائية للفرد الواحد في انخفاض متواصل، على أن يصل إلى أقل من 350 مترا مكعبا في السنة مع حلول عام 2020 نتيجة ارتفاع نسق الاستهلاك وتراجع منسوب المياه المخزنة.

وبين عبدالستار السحباني مدير المرصد الاجتماعي التونسي لـ”العرب” أن “مشكلة نقص المياه في تونس تعود إلى غياب الحوكمة في المدن”.

وأوضح بقوله “فمثلا سيدي بوزيد تزخر بمنسوب كبير من المياه لكن تنقطع بين فترة وأخرى”. و رأى أن “هذه المشكلة تعود إلى غياب قرارات السلطة للحد من هذه الظاهرة”، لافتا إلى أن “هذه المناطق مهمشة”. ويشير خبراء إلى دور المجالس المحلية في علاج مشاكل المدن كنقص المياه والطرقات، ودورها في تقديم خدمات أفضل للمواطن، ويعتقد هؤلاء أن غياب المجالس البلدية المنتخبة انعكس سلبا على حياة المواطن الذي يعاني من تدهور البنية التحتية وتراجع الخدمات.

واعتبر السحباني أن “الرهان هو أن تمنح الانتخابات البلدية القادمة دورا للسلطة المحلية لمعالجة مشاكل الجهات”.

كما أكد سامي المكي مدير عام صندوق القروض ومساعدة الجماعات المحلية في تصريحات لوسائل إعلام محلية أن إنجاز الانتخابات في موعدها المقرر سينعكس إيجابيا على الخدمات المقدمة لفائدة المواطن، مضيفا أنّ “الإشكال على مستوى البلديات يكمن في سوء استغلالها للطاقات المالية المتوفرة لديها إلى جانب فقدانها للبرامج وغياب السرعة في استكمال مشاريع معطلة”.

وأشار المكّي إلى أن “المشكلة الكبيرة في خدمات البلديات هي النسق البطيء للتصرف والتسيير الإداري في ظلّ عدم شرعية المشرفين عليها وعدم تفرغهم بشكل كلّي للعمل البلدي وفقدانهم لاستراتيجيات تسيير البلديات”.

وأضاف أن “170 بلدية من أصل 264 تعيش رفاهية وصحة مالية لكنّ نسق إنجازها للمشاريع بطيء ولا يتناسب مع حجم التمويلات المقدمة لها”.

 

عادت التحركات الاحتجاجية في مدن تونسية بسبب عودة انقطاع المياه الصالحة للشرب. ويشكو سكان المدن الداخلية من شح المياه وانقطاعها بين فترة وأخرى في حين لم تتخذ الحكومة إجراءات فعلية للحد من هذه الظاهرة الخطيرة التي تهدد البلاد. وينتقد المراقبون صمت الحكومة إزاء القضايا المعيشية وإهمالها مطالب الجهات رغم تواصل حالة الاحتقان الاجتماعي.

وتنتظر تونس خوض أول انتخابات محلية منذ اندلاع ثورة يناير والإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي عام 2011، ويعيش المشهد السياسي منافسة بين مختلف الأحزاب، ما جعل النخب السياسية تنشغل عن مطالب الشارع التونسي المتمثلة في الحق في التشغيل وتحقيق تنمية عادلة في الجهات.

 وينتقد مراقبون الصمت الحكومي إزاء مطالب سكان المدن الداخلية البسيطة، ورأوا أن ذلك يكشف عجز الحكومة عن مواجهة التحديات التي تعصف بها اقتصاديا واجتماعيا من جهة وإهمالها للقضايا المعيشية من جهة أخرى.

وتركز الحكومة على سير الاستحقاق الانتخابي المرتقب في مايو القادم أمام ضغوط متواصلة تعيشها من قبل المعارضة التي انتقدت أداءها، والدعوات الأخيرة إلى تعديل الفريق الحكومي من قبل الاتحاد العام التونسي للشغل.

وبات الاستحقاق المحلي القائم على فتح المجال لمشاركة أهالي جميع الولايات بقطع النظر عن انتماءاتهم الحزبية، معركة سياسية للحفاظ على نفوذ الأحزاب الحاكمة ضمن مؤسسات الحكم المحلي.

ولا يستبعد المراقبون أن تحمل نتائج الانتخابات مفاجآت تطيح بآمال قوائم التحالف الحاكم (النداء والنهضة) كما أنهم لا يستبعدون في الآن ذاته أن يشهد الموعد الانتخابي عزوف العديد من الفئات الغاضبة على الأوضاع المحلية الهشة، وهو ما نبهت إليه آخر استطلاعات الرأي المحلية.

 ورغم أن الحكومة نجحت في لجم الأصوات الغاضبة التي رفضت إجراءات موازنة عام 2018 وخطط إصلاح الاقتصاد المتردي إلا أن عدة ولايات ما زالت تعاني من حالة احتقان وتوتر نتيجة عدم التقدم في الملفات والمفاوضات الاجتماعية مع الطرف الحكومي وظروف العيش الصعبة.

4