احتجاجات واسعة في السودان تطرق أبواب القصر الرئاسي

التحركات الاحتجاجية المتتالية تعكس أزمة هيكلية عميقة تعيشها البلاد لم تفلح محاولات الرئيس عمر البشير العقيمة في تفاديها.
الجمعة 2018/12/21
من أزمة خبز إلى مطالب باسقاط النظام

الخرطوم – تشهد العديد من المدن والمناطق في شمال السودان وشرقه تظاهرات احتجاجية غير مسبوقة، امتدت الخميس إلى العاصمة الخرطوم لتطرق أبواب القصر الرئاسي، وسط تأكيدات عن سقوط قتلى وجرحى بعضهم إصاباتهم حرجة.

وتأتي هذه المظاهرات التي انفجرت الأربعاء بشكل فاجأ السلطات والمعارضة نفسها، احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية وغلاء الأسعار، في ظل عجز حكومي واضح عن احتواء الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات وتفاقمت في الأشهر الماضية.

ويعاني السودان من أزمات في الخبز والطحين والوقود وغاز الطهي، نتيجة ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في الأسواق الموازية (غير الرسمية)، إلى أرقام قياسية تجاوزت أحيانا 60 جنيها مقابل الدولار الواحد.

وشهدت الخرطوم تجمهر المئات بالقرب من القصر الرئاسي قبل أن تقوم الشرطة بتفريقهم بالغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، فيما أغلق طلاب ثلاث جامعات شوارع رئيسية في أم درمان المدينة التوأم للخرطوم والجزء الغربي من العاصمة.

وقال شهود عيان “خرج طلاب كلية التربية في جامعة الخرطوم وطلاب جامعة الرباط بالمئات وأغلقوا الشوارع الرئيسية قبالة جامعتيهم إلى أن جاءت شرطة مكافحة الشغب وأطلقت الغاز المسيل للدموع عليهم وتجري الآن عمليات كر وفر بينهم وبين الشرطة”. وأكدت مصادر متعددة مقتل سودانيين برصاص الشرطة في كل من ولاية نهر النيل شمال السودان، وولاية القضارف شرقا.

وقتل الشاب محمد عيسى الشهير بـ”ماكور” برصاص الشرطة صباحا أثناء مظاهرات احتجاجية بمدينة بربر التابعة لولاية نهر النيل، فيما أصيب العشرات واعتقلت السلطات العشرات من المتظاهرين. وأكد مبارك النور النائب المستقل عن ولاية القضارف “استشهاد الطالب مؤيد أحمد محمود، وأن الوضع في القضارف خارج السيطرة”.

وكان المتظاهرون أشعلوا النار الخميس في مقرين لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في مدينتي دنقلا والقضارف إثر تظاهرات واحتجاجات على ارتفاع أسعار الخبز. وأشار مصدر طبي إلى وصول 15 مصابا إلى مستشفى مدينة القضارف جروح بعضهم حرجة.

Thumbnail

وكان شاهد من دنقلا عاصمة الولاية الشمالية التي تبعد حوالي 500 كيلومتر شمال الخرطوم، قال إن التظاهرات بدأت “بطلاب الجامعة وعند وصولها إلى وسط المدينة انضم إليها المواطنون وهجم المتظاهرون على مقر حزب المؤتمر الوطني وأضرموا فيه النار”.

وأكد شهود آخرون إشعال النار في مقر حزب المؤتمر الوطني وكذلك في مدينة القضارف على بعد 550 كيلومترا شرق العاصمة الخرطوم. وقال الطيب عمر بشير من سكان المدينة عبر الهاتف، إن التظاهرة انطلقت من وسط المدينة وقام “المتظاهرون برشق مباني البنوك بالحجارة مما أدى إلى تهشيم واجهاتها. كما حطموا سيارات كانت تقف أمامها”.

وأضاف أن المتظاهرين “انتقلوا بعدها إلى مقر للحزب الحاكم قرب السوق وأحرقوه بالكامل، ومن ثم تجمع المئات من المتظاهرين أمام قسم شرطة وهم يهتفون: حرية حرية، والشعب يريد إسقاط النظام”.

وفي ولاية نهر النيل، أطلقت الشرطة السودانية الخميس الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين الذين كانوا يحتجون ضد غلاء رغيف الخبز في مدينة عطبرة شمال العاصمة الخرطوم، بعد ساعات من فرض السلطات حظر تجول فيها.

ويقول محللون إن التظاهرات، التي ركزت على شعار “إسقاط النظام”، تأتي هذه المرة على خلاف سابقاتها من حيث طبيعتها وشكلها، في ظل غياب أي توجيه أو تأثير من قوى أو جهات معارضة لها، بل هي أقرب إلى رد فعل عفوي من الشارع الذي لم يعد قادرا على تحمل الوضع القائم.

ويشير هؤلاء إلى أن زخم هذه التظاهرات تجاوز حتى حدث عودة زعيم تحالف نداء السودان المعارض الصادق المهدي، إلى البلاد بعد غياب لأكثر من عام، لافتين إلى أن النظام سيجد صعوبة كبيرة هذه المرة في احتواء هذه الاحتجاجات، وأن اعتماده على منطق القوة من شأنه أن يأتي بنتائج عكسية ويؤجج الوضع أكثر، وهو ما بدا واضحا في الاحتجاجات العاصفة أمس.

وتشهد المدن السودانية منذ ثلاثة أسابيع شحّا في الخبز اضطر المواطنين إلى الانتظار لساعات أمام المخابز. ويستهلك السودان 2.5 مليون طن من القمح سنويا ينتج منها 40 بالمئة وفق أرقام حكومية.

Thumbnail

ويعاني البنك المركزي السوداني من نقص في العملات الأجنبية، الأمر الذي جعله يخفض قيمة الجنيه السوداني خلال 2018 أربع مرات، في حين زادت السلطات المحلية سعر رغيف الخبز من جنيه إلى خمسة جنيهات.

وأعلن وزير المالية معتز موسى الأربعاء عن توجه إلى رفع الدعم عن مادة البنزين، قائلا إن الحكومة تدفع 36 مليون دولار أسبوعيا لدعم الوقود عندما تشتري باخرة البنزين بـ40 مليون دولار أسبوعيا وتبيعها بـ4 ملايين دولار. ولفت إلى أن العجز في موازنة العام 2019 يقدر بـ3.3 بالمئة.

وسبق أن شهد السودان تحركات احتجاجية عدة على مدار السنوات الماضية كان آخرها في يناير الماضي، بيد أن الأجهزة الأمنية سرعان ما قمعتها، ووفق متابعين فإن الحراك على ما يبدو خارج السيطرة.

وقال متابعون للشأن السوداني إن الاحتجاجات المتتالية تعكس أزمة هيكلية عميقة تعيشها البلاد لم تفلح محاولات الرئيس عمر البشير في تلافيها سواء عبر إجراءات إصلاحية شكلية، أو عبر تنويع العلاقات الخارجية بحثا عن دعم خارجي.

وأخفقت الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها الحكومة في إطفاء الغليان في الشارع، ولم تفض التحركات الأمنية التي اتخذت إلى تأمين الحكم وإنهاء الصراعات الخفية بين عدد من الأجهزة الأمنية. كما أن التغييرات السياسية التي جرت في حقائب الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، لم تكن كافية لطمأنة المواطنين على أن استمرار الرئيس عمر البشير خيار صائب.

ويقول المتابعون إن النظام السوداني يديم الأزمات عبر التأجيل والتسويف بدل البحث عن حلول حقيقية تقوم على وفاق وطني واسع، لكن حسابات الرئيس البشير ورغبته في الاستمرار بالسلطة إلى مدة جديدة أعاقت هذا الوفاق وعطلت مساعي الحلول المختلفة سواء ما تعلق بالحروب الداخلية، أو الأزمة السياسية العميقة مع المعارضة، أو الأزمة الاقتصادية، أو الصراع بين الأجنحة المختلفة داخل النظام ذاته.

ولا يحق للبشير، الذي تولى السلطة عقب انقلاب عام 1989، الترشح لفترة رئاسية جديدة في انتخابات 2020، إلا بعد تعديل الدستور، لذلك يسعى إلى إحكام قبضته لتمرير عملية إعادة الترشح.

السودان: الوعود لا تكفي للخروج من الأزمات الخانقة

1