احتجاج على واقع مكبوت

الأحد 2015/02/01
المرأة توظف الخيال في أغلبية نصوصها لتصنع الأنوثة

استطاعت المبدعة العربية أن تنسج لنفسها مسارات إبداعية جديدة، وتمكنت عبر كتاباتها من التعبير عن همومها ومعاناتها، مضيفة لتجربتها الإبداعية الكثير من الإحساس والخصوصية. إلا أنها على الرغم من النجاحات الأدبية التي حققتها، لم تتمكن من تجاوز الأعراف الاجتماعية التي يتشبع بها المجتمع العربي، والأدوار النمطية التي ترعرعت عليها منذ نعومة أظفارها. الأمر الذي دفعها للتمرد على واقعها وتحقيق ذاتها وقناعاتها الشخصية والأدبية، بعيدا عن كل التأثيرات الخارجية التي من شأنها عرقلة مسيرتها ومشوارها الأدبي، وهو تحدّ تتبناه المبدعة العربية من أجل ترسيخ خطواتها في الساحة الأدبية وتكسير صورة المرأة التقليدية.

وتعتبر الكتابة عند المرأة متنفسا، للتعبير عن الذات والتجارب الحياتية العميقة، زودتها التحولات الفكرية والحقوقية التي عرفها العالم العربي، وقيام الثورات وظهور حركات التحرر، بجرعة قوية للتمرد على الواقع والكتابة بجرأة نادرة وجديدة. فتمكنت عبر الكتابة من تعرية ثقافة العنف السائدة ضد المرأة، وكسر تابوهات عديدة كان من المستحيل المساس بها، فكتبت بكل حرية واستقلالية، مستخدمة لغة ورموزا جديدة، وفضاءات وأزمنة مغايرة، من أجل إماطة اللثام عن التهميش الذي يطال المرأة في ظل العقلية الذكورية.

إن الحديث عن واقع المرأة، هو حديث عن الوضع الإنساني برمّته، والاحتجاج على وضعيتها، هو احتجاج على الأوضاع المأساوية التي يعيشها الإنسان العربي بصفة عامة. فالمرأة عندما تكتب فهي تعبّر عن الواقع الذي تعيشه وتعاني من قساوته، وكثيرا ما تتطرق إلى هذا الواقع في كتاباتها بأسلوب ساخر ولاذع، يحمل بين طياته رسائل ونداءات موجهة للرجل والمجتمع العربي بشكل أساس، من خلال حضور الأنوثة التي تشغل حيزا كبيرا في كتابات المرأة، فهي الأنوثة المنسية المكبلة التواقة للتحرر والخروج من الظل إلى النور. وبالتالي لا يمكن الحديث عن الأنوثة في الكتابة دون الحديث عن الواقع الأنثوي، اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وفكريا.

فالكتابة عند المرأة قضية وأداة للتعبير عن الذات والكشف عن معاناة الجسد الأنثوي المنتهك، تحت رحمة المجتمع العربي المكبوت، لذلك تميزت كتابات المرأة بطابع الاحتجاج والتحرر، مركزة على حضور الذات التي تتوق للانفصال عن الأسرة، كفضاء يقيّد وجودها ويقف في وجه أحلامها ورغبتها في التحرر من السلطة -الوصاية- الذكورية. هذه الذات الرافضة لقيم المجتمع المتوارثة وأعرافه عبر العصور التاريخية، والتي تختزل وجود المرأة في الجسد والمتعة الجنسية، وخدمة الرجل. في ظل هذا الواقع المزري للمرأة، نجد الأنوثة تصارع السلطة الذكورية دفاعا عن حقوق جسدها، معبّرة عن رفضها لوضعية القهر والتدجين.

تخطيط ساي سرحان

وبالتالي فقد حققت المرأة على الورق ما عجزت عنه واقعيا، بكتاباتها الداعية للتحرر من القيود والخروج من دائرة الصمت، وتمكنت من تخليد بصماتها من خلال الكتابة الإبداعية، فكانت كتاباتها إضافة نوعية للمشهد الثقافي، لما تميزت به من خصوصية إبداعية، مفعمة بالواقع والحلم والخيال.

ونجد أن المرأة توظّف الخيال في أغلبية نصوصها، لتصنع للأنوثة واقعا مغايرا للواقع المعيش، مضيفة لتجربتها جرأة نادرة من الاحتجاج والتحرر. متحدية ثقافة المجتمع العربي الذي يرفض الخروج عن المألوف، والخوض في المواضيع المحظورة والمسكوت عنها. لذلك فكتابات المرأة دائما تتعرض للانتقاد وعدم الاعتراف، ويشار لها بأصابع الاتهام والانحلال الأخلاقي، لأنها تجرّأت على تعرية واقع تتفنن العقلية الذكورية في تلميعه، ما يدل على أن الجرأة غير مقبولة عند المرأة/المبدعة، والعكس صحيح عندما يتعلق الأمر بالرجل/المبدع. هذا التمييز في الحرية الإبداعية، يدفع بعض الكاتبات إلى التحدّي والوقوف في وجه المجتمع وعقليته المتزمّتة، وهناك من فضلن الطلاق على العيش تحت رحمة رجل يمارس أنانيّته على حساب إبداعها، وهذه الصفة تنطبق على الرجل/المبدع وغير المبدع، فالمبدعة تضحّي من أجل زوجها وأولادها، في حين أن الرجل يمارس إبداعه بشكل عادي ويشارك في مختلف التظاهرات الأدبية، وهنا نلمس سيادة الطابع الذكوري على المشهد الثقافي مهما حاولنا نفيه أو تجاوزه.

في ظل هذه الوضعية غير المتكافئة والمهمشة للمرأة/المبدعة، أرى من الضروري، وضع ميثاق ثقافي قائم على المساواة الفكرية والمجالية في الميدان الإبداعي، تجاوزا للعلاقات التقليدية القائمة بين المرأة والرجل. ميثاق أساسه المساواة في التعامل مع الأعمال الإبداعية مهما كان جنس كاتبها، وإخضاعها للنقد البناء من أجل غربلة الأعمال الجيدة من الهزيلة، والإيمان بأن الخصوصية الجنسية، الخلقية ليس لها أيّ أثر على الإنتاج الثقافي والإبداعي. وكذا الاعتراف بإبداع المرأة وعدم إخضاعه للمجاملات النقدية، التي تدفع ببعض المبدعات إلى الأمام، فتحتللن مكانة مهمة في وقت وجيز ومشكوك فيه، لا شيء سوى لأنها مبدعة جميلة أو مستعدة للتنازل عن أشياء كثيرة، من أجل حرق المراحل والوصول إلى شهرة مزيفة من أبوابها الواسعة، في حين يطال التهميش أقلاما أخرى تشتغل في الظل. وأن يؤمن الرجل/المبدع بالأفكار والمواقف التي تتضمنها كتاباته وأن يجسّدها على أرض الواقع، حتى لا تتحول إلى مجرد شعارات وهمية. في انتظار إصلاح المشهد الثقافي/الإبداعي، على المرأة/المبدعة أن تناضل من أجل ترسيخ خطواتها، والارتقاء بتجربتها الإبداعية، من خلال تطوير كتاباتها ومواكبتها للمستجدات التي يعرفها العالم العربي.


كاتبة من المغرب


14