احتجاج نسائي على اللامساواة بحلاقة على درجة الصفر

عربيات يتمردن على معايير الجمال التقليدية للشعر المنسدل والأملس ويسعين إلى تغيير المعايير باختيار تسريحات الرجال.
الأحد 2020/06/21
عائشة القحطاني: أنا امرأة بشعر على رأسي أو من دونه

نساء يحلقن رؤوسهن على درجة الصفر للتخلص من التوقعات المسبقة بشأن المظهر الخارجي والهالة الاجتماعية التي تحيط بالشعر الطويل، وحتى يصبح اختيار تسريحة الشعر مجرد خيار للمرأة وليس وسيلة للانتماء إلى عالم الجمال السائد الذي فرضته العادات والثقافات، والذي أثر بشكل مباشر على توقعات المجتمع، وغرس في النساء أفكارا خاطئة أثرت على نظرتهن لأنفسهن.

حرصت المرأة على امتداد عصور من الزمن على إبراز جمال شعرها اللامع والطويل المنسدل على كتفيها، وواظبت الكثير من الأمهات على العناية بشعور بناتهن منذ الصغر وطرق تصفيفها وتسريحها، لاعتقادهن أن الشعر يمثل تاج المرأة ورمز الجاذبية الأنثوية.

ورسم الأدباء والشعراء صورا حسية ومرئية وسمعية ووصفية، في أشعار الغزل وأناشيد الحب والقصص الرومانسية، اتسقت مع ما هو سائد من عادات وتقاليد عريقة ساهمت بشكل مباشر في بلورة أنماط ثقافية ومقاييس اجتماعية، ربطت في معظمها بين الشعر الطويل ومظاهر الخصوبة لدى المرأة وصحتها الجسدية والجنسية.

ولطالما تنافست النساء على اقتناء مستحضرات التجميل وإعداد الوصفات الطبيعية لتقوية الشعر وتطويله بكل الطرق، حتى يكن أكثر إغراء وقبولا لدى الجنس الآخر.

تنوع التسريحات

لكن في السنوات الأخيرة، جرى على نطاق واسع تداول صور ومقاطع فيديو تدعو إلى تنوع مظهر وتسريحات الشعر، وتساند الاختيارات الشخصية للمرأة في ما يتعلق بطريقة تصفيف شعرها، وتقديم نفسها بالطريقة التي تحلو لها.

وبرزت الكثير من القصص الملفتة للانتباه على مواقع التواصل الاجتماعي لنساء  تمردن على المجتمع والأهل ومعايير الجمال التقليدية للشعر المنسدل والأملس، واتخذن قرارا بحلاقة شعورهن على درجة الصفر، فيما بات يعرف بظاهرة حليقات الرؤوس.

ومؤخرا بعثت عائشة القحطاني ابنة ضابط كبير في الجيش القطري برسالة واضحة، بعد أن تعمدت نشر مقطع فيديو لها على تويتر، وهي تحلق شعرها بنفسها على الدرجة الصفر، مفادها أن اختيار طريقة تصفيف الشعر “حرية شخصية”.

وقالت القحطاني “أنا امرأة بشعر فوق رأسي أم من دونه، أنا جميلة دون معايير جمالكم هذه، أنا بكامل أنوثتي، وأنا فخورة بكوني امرأة وبكوني جزءا من هذا الجندر القوي، بالرغم من محاولاتكم كسر النساء، وبالرغم من محاولاتكم لإخضاعهن، سنبقى قويات، مستقلات، وحرات”.

وكانت القحطاني التي سلطت قضيتها الضوء على أوضاع القطريات اللاتي يعاملن كـ”قاصرات” في بلادهن، فرّت من بلادها في يناير الماضي إلى بريطانيا بسبب تعرضها للتعنيف.

مازال طول الشعر يمثل السمة التي تفرّق بين الجنسين في معظم المجتمعات، رغم أن الرجال يطيلون شعورهم أيضا

وتلقت القحطاني العديد من التعليقات الداعمة لما قامت به على الملأ، لكنها واجهت أيضا ردود فعل عنيفة من نساء ورجال على حد سواء، حيث قال العديد من مستخدمي تويتر إنها “تسعى للفت الانتباه” من أجل شهرتها الخاصة. وعلى الرغم من أن العديد من الرجال يتعمدون أحيانا حلق رؤوسهم على درجة الصفر، لكن يبدو أن المجتمعات أكثر تقبلا لفكرة أن يكون الرجل أصلع، وبالعكس من ذلك لا تزال من النادر رؤية النساء يسرن في العلن بلا شعر.

وتقول بعض الأبحاث إن 30 في المئة من الرجال في عمر الثلاثين مصابين بالصلع الوراثي وهذه النسبة تزيد إلى 50 في المئة في عمر الخمسين. مشيرة إلى أن نصف النساء في عمر الخمسين يعانون من درجات متفاوتة من الصلع الوراثي.

ويلعب العامل الوراثي دورا أساسيا في تساقط الشعر كما يدرس الباحثون أسبابا أخرى لهذه الحالة لا تزال إلى الآن غير معروفة.

وبالنسبة للجانب الوراثي ترجح الأبحاث أن تساقط الشعر مرتبط بنوع من أنواع هرمون الأندروجين يسمى هرمون دايهايدروتيستوستيرون “دياتشتي”.

ويرى الباحثون أن هرمون “دياتشتي” يقلل الإمداد الدموي لبويصلات شعر فروة الرأس فعند زيادة نسبة هذا الهرمون في الجسم يبدأ الشعر في الضعف وتقل سماكته ويبدأ بعد ذلك في التساقط.

وعلى الرغم من أن أغلب الرجال المصابين بالصلع الوراثي يتقبلون الحالة ويتعايشون معها كتقبلهم للون الشعر أو شكله إلا أن هذا الأمر قد يمثل وصمة اجتماعية بالنسبة للكثيرات.

وتقول إحدى الدراسات التي نشرتها مجلة تايم الأميركية، إن الرجال الذين يقومون بحلق رؤوسهم بالكامل، ينظر إليهم من قبل الآخرين على أنهم أكثر رجولة، وأقدر على فرض سيطرتهم على من حولهم.

فيما رجحت دراسة أخرى فرنسيّة حديثة نشرت نتائجها في مجلّة علم النفس الإسكتلنديّة أنّ سبب انجذاب الرجال للمرأة صاحبة الشعر الطويل اعتقادهم بأنّها امرأة تتمتّع بصحّة جيّدة وجينات صحيّة، وذلك وفقا لما ذكره موقع صحيفة الديلي ميل البريطانية.

وتشعر معظم النساء بالراحة النفسية وبالرضا عن مظهرهن أكثر حينما يمتلكن شعرا طويلا، ويرجع السبب في ذلك إلى الثقافة الاجتماعية السائدة، التي تربط ما بين أنوثة المرأة وجمالها وامتلاكها لشعر طويل قادر على لفت الأنظار بشكل أكبر، وخصوصا الرجال.

وإلى اليوم ما زال طول الشعر يمثل السمة التي تفرّق بين الجنسين في معظم المجتمعات، رغم أن الرجال الذين يطيلون شعورهم قد يُنظر إليهم على أنهم حالات عادية، فيما تبدو فكرة أن تحلق المرأة شعرها على درجة الصفر مرفوضة للكثيرين، وهو ما عبر عنه العديد من رواد تويتر تجاه تصرف القطرية عائشة القحطاني الذين اعتبروا حلاقتها غير مقبولة، وأن الحرية لا تتحقق بمجرد حلق الشعر.

وقال أحد المغردين “أنت حلقت شعرك كرمز للحرية والخفة، لكن لو تدرين أنني لما شاهدت صورتك، تألمت كثيرا، لأني تخيلت كل بنت معنفة ومسلوبة ومحرومة… لأن عقاب المرأة في مجتمعنا إذا أخطأت يحلقون شعرها”.

وكتب آخر “سبحان الله، رجال يخسرون الآلاف ويسافرون إلى عيادات في الخارج حتى يزرعوا شعرا لصلعتهم، ونساء يحلقن على درجة الصفر حتى يتباهين بصلعتهن! دنيا قد ما تعيش تشوف…”.

ووصل الأمر إلى حد اتهامها بالتشبه بالرجال، وربط البعض حلقها لشعرها بالكامل بإصابتها بمرض نفسي، في المقابل عبرت القحطاني عن بهجتها وهي ترد على الأصوات المعارضة بقولها “سأقوم بإطالة شعري من جديد ثم أحلقه مرة ثانية وأتبرع به”. وبدت القحطاني كما لو أنها تطوعت لكي تصبح على هذه الشاكلة، أو لإثارة سؤال لم يكن قد بدأ طرحه سوى من جانب عدد محدود للغاية من النساء ألا وهو: ما الذي يمكن للمرأة أن تصبح عليه إذا تخلصت رمزيا من الأشياء التي تقمع حريتها الشخصية؟

حرية شخصية

واجهت جويل مرديننيان جدلا واسعا عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب حلاقة شعرها على طريقة «المارينز»
واجهت جويل مرديننيان جدلا واسعا عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب حلاقة شعرها على طريقة "المارينز"

أعاد ظهور القحطاني حليقة الرأس الجدل من جديد حول مثاليات الجمال الأنثوي، والوقت الطويل الذي تقضيه المرأة على وجه الخصوص في تغيير نوعية شعرها بهدف جعله طويلا انسيابيا. 

وبينما اعتبرت نسبة من المغردات، حلق القحطاني شعرها على درجة الصفر، يمثل أحد الموضوعات الأساسية لمفهوم “الحرية الشخصية”، رأت أخريات أنه من الجيد أن تحلق المزيد من النساء شعورهن على الشاكلة نفسها وعلنا، ويشعرن حتى وهن بلا شعر بالقوة والتمكين، ويركزن على جوهر المرأة، الذي يمنحها شعورا جيدا بالثقة بالنفس، بدلا من محاولة الظهور بمظهر جيد لإرضاء أشخاص آخرين، مشددات على أن ذلك يمثل أكبر دليل على الشجاعة الهائلة، التي تحولت بفضلها القحطاني من مجرد امرأة قطرية معنفة ولا حول ولا قوة لها، إلى ناشطة حقوقية ذات دور رائد في الدفاع عن حقوق نساء بلدها وبنات جنسها، خاصة أن ذلك حدث في وقت ما زال فيه طموح المرأة القطرية وحريتها الشخصية مقيدين باعتبارات تتعلق بكونها أنثى لا أكثر.

وتحدثت نساء عربيات لـ”العرب”عن تشابه الظروف التي يعشنها مع ما عاشته عائشة القحطاني وحياتهن الخانقة التي تفرض عليهن قيودا على مظهرهن وشعرهن وطريقة لباسهن، وكشفت إحداهن عما عانته بسبب شعرها قائلة “إنه لأمر فظيع حقا، كما أن لا أحد يريد أن يسمع أو يتفهم شكواي مما يسببه لي شعري من مضايقات”، مضيفة “أعرف حقيقة ما يعني أن تواجه المرأة بسبب نوعية شعرها قدرا كبيرا من التمييز، تماما مثل التمييز على أساس الجنس، والعرق، والدين، وما إلى ذلك”.

وعبرت المرأة التي فضلت عدم الكشف عن هويتها عن استيائها الكبير من الكلمات الجارحة التي تعرضت لها بسبب نوعية شعرها، بدءا من أسرتها وصديقاتها، مرورا بمكان عملها، معربة عن اعتقادها بأن رد الفعل إزاء شعرها يعد مؤشرا واضحا على المعايير المزدوجة في المجتمع، ففي الوقت الذي تسمع فيه الكثير من التعليقات حول شعرها الذي لا ينمو، لا أحد يعلق بنفس الكلمات حول شعر زملائها الرجال.

جمال غير معتاد

على المستوى الأكثر سطحية، يُنظر للنساء صاحبات الشعر الطويل والمنسدل على أنهن الأكثر أنوثة وجاذبية بسبب الأحكام الاجتماعية المسبقة، وقد يؤثر ذلك سلبا على النظرة للنساء ذوات الشعر القصير، ما يجعل تفاعل الرجال مع هؤلاء السيدات أكثر فتورا، غير أن الكثيرات استطعن التمرد على هذه المقاييس الاجتماعية غير عابئات بالنظرة التي تربط بين الجمال والشعر الطويل الأملس.

وخلال الأشهر القليلة الماضية أثارت خبيرة التجميل اللبنانية جويل مردينيان جدلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد استخدامها ماكينة حلاقة رجالية لحلق شعرها على طريقة “المارينز”، وبثت ذلك في مقطع فيديو نشرته على حسابها الشخصي بموقع إنستغرام.

فوزية العبيدي: انتهى ذلك الزمن الذي كان فيه شعر المرأة الطويل الفاتن معيارا للجمال الأنثوي
فوزية العبيدي: انتهى ذلك الزمن الذي كان فيه شعر المرأة الطويل الفاتن معيارا للجمال الأنثوي

كما ظهرت الفنانة مايا دياب في أحد كليباتها بشعر محلوق تماما، وإن كان ذلك ليس غريبا على دياب، التي تميزت بتقلعاتها في التعامل مع الموضة وخطوط إنتاج الملابس، وقصّات وتسرحات الشعر.

وعلى الرغم من أنّ ردود الفعل لجمهور النجمة اللبنانية كانت سلبية في بادئ الأمر لأنه تعوّد على دياب بشعرها الطويل، إلا أنها بتسريحتها الجديدة شجعت الكثيرات على تجربة قصّة الشعر نفسها.

وترى فوزية العبيدي رئيسة الجمعية الفنية والثقافية “تاج” لمحافظات المنستير وسوسة والقيروان، والمشرفة على تنظيم مسابقة ملكة جمال تونس أن حلاقة المرأة لشعرها خيار شخصي، ولا يتعين على أحد أن يقول للنساء ماذا يجب أن يفعلن بشعورهن.

وقالت العبيدي في تصريحها لـ”العرب”، “انتهى ذلك الزمن الذي كان فيه شعر المرأة الطويل الفاتن معيارا للجمال الأنثوي، خصوصا بعد الثورات المتتالية التي شهدها عالم الموضة والجمال والأناقة سواء على المستوى المحلي أو العالمي، وظهور نجمات شهيرات في عروض الأزياء والمهرجانات السينمائية بقصات قصيرة وحلاقات على مقاس الصفر، أعتقد أن كل ذلك أحدث تحولا كبيرا في معايير الجمال ونمط حياة المرأة بشكل عام، ولا أظن أن تسريحات (الصفر) مجرد تقليعات جديدة زائلة”.

وأضافت “تغيرت الكثير من التوقعات إزاء مظهر المرأة الخارجي وحدث الكثير من التنوع في الذوق العام تماشيا مع أنماط الحياة السريعة، وقد أصبح أيضا هنالك وعي بشأن العديد من الاضطرابات والأمراض التي قد تعاني منها المرأة وتفقد بسببها شعرها”.

واستشهدت العبيدي بكايلا مارتيل التي أصبحت ملكة جمال ولاية ديلاوير في عام 2010 وتوجت بعد ذلك بلقب ملكة جمال أميركا، رغم أنها فقدت شعرها في سن مبكرة وتعرضت للتنمر عليها أثناء طفولتها بسبب معاناتها من داء الثعلبة (يعرف أيضا بـ”بقعة صلع”)، وهو أحد أمراض المناعة الذاتية الذي يتسبب في فقدان الشعر من بعض أو كل مناطق الجسم.

وشددت على أن ملكة جمال ولاية ماريلاند الأميركية لعام 2017 كانت تعاني من اضطراب السحب الإجباري أو نتف الشعر، إلا أن ذلك لم يحل دون تتويجها بالتاج، وقد ساهم بشكل كبير في كسر الأفكار النمطية السائدة التي كانت حتى وقت قريب أساسية لقبول المرشحات لمسابقة ملكة الجمال، معتبرة أن تطويل الشعر أو قصه حرية شخصية ولا يندرج ضمن مقاييس مسابقة ملكات الجمال في تونس.

وقالت العبيدي في خاتمة حديثها “المرأة بشكل عام يجب أن تكون لها الحرية في اختيار المظهر الذي تحب أن تكون عليه، ولديها كل الحق في اتخاذ قراراتها بنفسها، ويجب أن تشعر في جميع حالاتها بأنها جميلة وواثقة من نفسها. وبغض النظر عن نمط الحياة الذي تختاره فهي تستحق الاحترام والدعم والحب. هذه هي رسالتي لكل امرأة…”.

وبينما ازداد عدد النساء الصغيرات اللواتي يقررن الظهور بشعر قصير، لا تزال السيدات الأكبر سنا يرفضن تقبل هذا المظهر، كما أن عدد نجمات المجتمع من السيدات اللاتي يفضلن الظهور بشعر حليق يقل كثيرا جدا عن عدد السيدات اللاتي لا يفضلنه.

وبدأت حلاقات الصفر في الظهور في صفوف النساء بعد أن حلقت الممثلة الأميركية ديمي مور شعرها على هذه الشاكلة في فيلم الحركة «جي.آي.جين» الذي جسدت فيه دور الملازمة في الاستخبارات الأميركية البحرية، وأبدى الجمهور إعجابه بحلاقة مور، وقال كثيرون حينها إنها جعلتها أكثر جمالا، وتكرر نفس الأمر مع المغنية الأيرلندية سينيد أوكونور التي ظهرت أيضا حليقة الرأس في حفلة غنائية في أوائل التسعينات.

لكن ما تقوم به ممثلات السينما لا يتناسب بالضرورة مع جميع النساء، كما أن تلك التسريحات لن تحل على الأرجح مشكلة عدم المساواة بين الجنسين، ومن الأفضل توظيف تأثير المشاهير بطريقة صحية وصحيحة، وبشكل عام، يجب التعامل مع تقليعات النجوم بشيء من التروي والعقلانية، وعدم الافتراض المطلق أن كل ما يقومون به مناسب للجميع، وفق ما يرى بعض الخبراء.

20