احترام الجنس

الخميس 2017/05/18

أكثر مشاكل البنات التي تقلق راحتهن وتتعب أعصابهن وتشغل تفكيرهن تتمثل في خوفهن من الحمل أثناء لقاءاتهن الحميمة مع أصدقائهن. هذا ما تقوله الدراسات واستطلاعات الرأي. يتعلق الأمر في الغالب بلقاءات بريئة وسطحية لا تتعدى مرحلة التقبيل واللمس والمداعبة الخارجية. إلا أن افتقارهن إلى المعرفة والتثقيف الجنسي وللمعلومات الضرورية يجعلهن يخشين الحمل من قبلة مثلا، أو من المداعبة الخارجية.

أثناء تنقلي بين بعض المواقع التي توفر معلومات وإرشادات جنسية لمتابعيها، وهي قليلة جدا وأغلبها غير مختصة، صدمني حجم الجهل في هذا الجانب سواء من الشبان أو الشابات. نفس الأسئلة تتكرر بشكل لافت، وتعكس حيرة وقلقا وخوفا ورعبا غير مبررة، كما تشير إلى حاجة نفسية ملحة لمن يرشد ويجيب عن أسئلة تعتبر في ثقافات أخرى بديهية ومطروحة، مواضيع من قبيل: الدورة الشهرية، والبكارة والحمل، والعادة السرية، والحب، والتحرش، وغيرها.

يكبر الطفل في ثقافتنا العربية فلا يجد أمامه من يأخذ بيده أو يجيب عن أسئلته أو يساعده في الدخول إلى مرحلة مهمة من حياته، تتغير فيها ملامحه، وتكتسب فيها أعضاؤه أبعادا ومفاهيم أخرى.

ويبدأ رحلة اكتشاف فردية، مدفوعا بفضوله، للحصول على أجوبة لأسئلة كثيرة تدور في رأسه، وهي رحلة محفوفة بالمخاطر والمجازفات، نظرا لحجم المغالطات التي يمكن أن يقع فيها. يحصل على معلومات خاطئة تؤسس لبنة تفكيره الأولى، وتشكل وعيه، في مرحلة حساسة ومهمة هي مرحلة بناء الشخصية.

وتكبر الفتاة وهي جاهلة بما يحدث في جسدها ونفسيتها من تغيرات، كارهة لتحولاتها التي جعلت الجميع من حولها يتعامل معها بحياد ويتخذون منه مسافة بعد أن كانوا يحتضنونها ويلاعبونها، فتخيلوا أي جيل هذا الذي يكبر على أن الجنس عيب ومخيف وحرام وملوث وينتقص من الإنسان ومن كرامته؟

أذكر أول مرة جاءني فيها الحيض، اعتقدت أنني جرحت من الجري أو القفز، لم أعر الأمر أهمية، إلا بعد أن استمر الدم في النزول لأيام، ويومها شعرت بالخوف وظننت أن مرضا خطيرا أصابني، فسألت قريبة لي تكبرني بعامين أو ثلاثة، وعرفت منها أن ما يحدث عادي ويحدث لكل البنات.

وأذكر أيضا أنني عندما شعرت أن نهدي يكبران، مشيت سنوات طويلة، منحنية إلى الأمام حتى لا يلاحظ أبي التغيرات الجديدة على جسدي، وقد بقي هذا الانحناء مرافقا لي طول عمري.

بعض الجهات التي تكفلت بالإجابة عن أسئلة الشباب، فعلت ذلك من وجهة نظر دينية، ربما احتماء بمقولة “لا حياء في الدين” التي توفر غطاء ومظلة مهمة للخوض في مواضيع حساسة بهذا الشكل. إلا أن الغطاء نفسه سجن الإجابات في منظور ديني وليس علمي تربوي، فإذا بالعادة السرية تصبح محرمة وممنوعة والعلاقة مع رجل إثم وذنب لا يغتفر، أي أنها لم تقدم إجابات وإنما تقييمات أخلاقية، وهو بالتأكيد ما لا يرغب به أو ينتظره هؤلاء الشباب الحائرون وهم يستقبلون الحياة.

الجنس، والحمل والولادة والحب والزواج والمثلية، مرتبطة بالإنسان كالأكل والشرب والنوم والعمل، فما الذي يجعلها مرعبة ومخيفة إلى هذا الحد؟ لماذا تحوّل المطبخ إلى معرفة وثقافة ولم يتحوّل الجنس إلى ذلك، وكلاهما غريزة أساسية من أجل البقاء؟

يجب أن نحترم الجنس، لأنه أصل الإنسان، ولأنه الأداة التي تجعل الحياة تستمر والبشرية تتوالد. عامل بهذه الأهمية لا ينفع أبدا أن يكون مسكوتا عنه، أو مهمشا أو مشوبا بمغالطات وافتراءات وانطباعات، الجنس علم نريد أن يتسلح به أبناؤنا تمام كامتلاكهم للغات والمهارات الإجتماعية والعلمية الأخرى.

وأظن أن الجميع مطالب بتوفير هذه المعرفة وإحاطتها بالجدية والمهنية: النظم التعليمية، والأسرة والمجتمع مطالبون بالاشتراك في هذه العملية. بعض الصحف العالمية الكبيرة تخصص قسما لهذه المواضيع وتنتج بودكاستات وفيديوهات ونشرات وبرامج تثقيفية، ماذا عن صحافتنا العربية؟

كاتبة تونسية مقيمة في هولندا

21