احترت من أُعزي

السبت 2014/11/15

أردت أن أُعبر عما في داخلي، فمسكت قلم الحزن وانهمر حبره دموعا على خبر وفاة محمد بن خلف المزروعي، واحترت من أين تبدأ مشاعري.

أُعزي دولة بأكملها على فقدانك ولوعة رحيلك، فكم من الإنجازات قد تحققت وكُنت أنت الجندي المجهول فيها والرقم الصعب لشفرة لتحقيق تلك الإنجازات، لم ترتج يوماً مقابلا لأي خدمة، بل كُنت ترفضها لأنك وضعت أساساً ثابتاً يتمثل بأن كل عمل للوطن هو عبارة عن سداداً للدين الذي نحمله في حق الدولة.

فتقلّدت المناصب وأصبحت في كل ميدان تبث في الجميع حماس العمل وحب الوطن، وأصبحت بذلك ابنا باراً لهذا الوطن، فمن كان يعرفك أو لا يعرفك تلقى خبر وفاتك بصدمة واستنكار، حينها تبعثرت الأحاسيس وحل السكون ولم نسمع حينها سوى أصوات تردد “إنا لله وإنا إليه راجعون”.

أُعزي أسرتك التي كُنت ربها وصديقها، فلم أر في حياتي أبا يُصادق أبناءه بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ كان صديقا لابنه “خلف”، وابنته “مي” في منزله وفي رحلاته حتى أصبحا لا يُفارقانه، تعلما منه الأخلاق الحميدة، وتعاليم ديننا الحنيف، وزرع الوطنية ليكونا مثله في حياتهما اليومية، وددت القول لأبنيه لا تحزنا لأنه رحل، بل احزنا على من لم يتعلم من والدكما ما تعلمتما منه.

أُعزي نفسي باعتبارك كنت لي أخا وصديقا وناصحا. فحينما تواجهني معضلة وجدتك أول من أسند ظهري عليه، فكم من المرات داويت ألمي وكم من المرات تلقّيت الضرر عني، لذلك أُعزي نفسي يا أخي.

أنت الصديق الذي أُجالسه، صباحا ومساء، فكم من المرات جلسنا حتى آذان الفجر، وكم من المرات فرحنا مع بعض وحزنا مع بعض، ولكن يا صديقي أحزن اليوم من دونك لأنك قد رحلت.

أنت الناصح الملهم لي في حياتي، فكلما تُهتُ أرشدتني للخروج من المتاهة، وكلما واجهت أمرا إلا وكنت صانع خارطة الطريق إلى النجاح، فأذكر الآن ضحكاتك التي لا تختفي، ورقي أخلاقك الذي لا ينتهي، وطيبة نفسك النادرة التي أخذت منها درساً قبل شهر حينما كنت تقول لي “سامحت كل من شرب معي فنجان قهوة، حتى ولو كان المخطئ قد أطلق عليّ الرصاص”. لكن العبرة تقتلني أنا كرصاصة في صدري، ولا نملك سوى قول واحد “اللهم لا اعتراض”.

أنت من الذين اختارهم الله لأن يكونوا سببا للتفريج عن كرب العباد، فما دعا يوما أحد ربه إلا وجعلك سبباً لتحقيق دعوته، فكُنت ذلك الذي يُكرم بصمت ويُساعد بصمت ويعمل بصمت، فأين الصمت في قلوبنا وهي تضج بدعوات لرب العباد بأن يُفرج الله عليك كرب الآخرة، بعدما فرجت عن كرب العباد، وبما أنك كنت كريما فإن الله أكرم منك، ولذلك سيُكرمك الله بإذنه.

لم ترحل وحيدا فقد رحل معك ابن أختك “الفندي”، لسان حالي يقول “وكأن الله رحم الفندي من الحزن على خاله فأخذهما معا، فذهبتما معا تسبقوننا إلى الجنة بإذن الله ونحن لكم لاحقون”.


كاتب إماراتي

8