احتفاء بإيتيل عدنان

الثلاثاء 2014/01/28

تحتفي باريس هذا الأسبوع بالشاعرة والروائية والفنانة التشكيلية إيتيل عدنان من خلال منحها وسام الفنون والآداب برتبة فارس.

يقلدها الوسام رئيس “معهد العالم العربي” ووزير الثقافة الفرنسي الأسبق جاك لانغ. وإيتيل التي تعيش في قلب الفعل الإبداعي لكن بعيدا عن الأضواء، تستحق التكريم، والاحتفاء بها هو أيضا احتفاء بالشعر والفن.

إيتيل عدنان في باريس ليست سائحة ولا عابرة سبيل، بل هي جزء من رعشة المكان وجماله النافذ و”المؤلم”، كما يحلو لها وصفه في كتابها عن المدينة وعنوانه “باريس عندما تتعرّى” (صدرت ترجمته العربية عن دار “الساقي” في بيروت). وهي في هذا الكتاب تنقل مشاهدات وأفكارا عامّة، تتأمّل المطر المتساقط دائما وبهدوء فوق الجادات والساحات والحدائق، وتقدّم رؤية يمتزج فيها الذاتي والموضوعي بانسجام كامل.

لا تكتب إيتيل عدنان الشعر والنثر بالكلمات فقط، وإنما كذلك بحضورها المتجلّي وبنزعتها الإنسانية التي لا تفصل الجمال عن تصوّرها للعدالة ومناهضة الظلم.

تأتي الكتابة هنا من المكان الأرحب، من الثقافة الموسوعية وخبط أجنحتها التي لا تعرف الحدود. المعرفة، في هذا السياق، تنبع من العطش إلى المعرفة؛ من العطش العارم ينبجس الينبوع.

تسافر إيتيل عدنان من بيروت إلى باريس ومن باريس إلى كاليفورنيا. تتسع الرقعة الجغرافية التي تتحرك ضمنها، وهذا ما يساعدها على رؤية المشهد الواحد من زوايا مختلفة، أي من الموقع الذي تبطل فيه المسافة بين الهويات والأديان واللغات، فتكتسب مزيدا من التسامح حيال الذات والآخر.

تكتب عن الحبّ والحرب، عن الجسد وجراحه وأحواله. من مأساة جنين إلى جبل “تملباييس" -الهارب هو أيضا وراء غيومه- حركة واحدة تُوائم بين الإنساني والجمالي، بين لغز الغرائز وسحر الطبيعة.

في مقهى «لوروستان»، قبالة حديقة «لوكسمبور» في باريس، نلتقي معا من جديد. نجلس هناك، أمام عازف الناي الحجريّ الواقف فوق منصّته العالية، حيث يستكين قليلا دوران الأرض. أثناء الحديث، نلتفت إليه ولا نراه. لا نرى في العادة ما يصبح جزءا من العين التي ترى.

ثمة حديقة أخرى، موازية، تتألّف عناصرها من الحروف والكلمات والألوان. حديقة تعرف إيتيل كيف تصوغها وتعتني بها. نأتي إليها مخفّفين من الوقت والأعمار، نصغي إلى إيقاعاتها الخفيّة ونستسلم لإغوائها.

ذات يوم، أطلعتني على الرسوم التي تمثّل الجسور العائمة فوق نهر «الهَدسن» في مانهاتن.

وحين وجدتُ نفسي فعلا أمام تلك الجسور، لم يعد بإمكاني أن أراها إلاّ بالصيغة التي اقترحَتها مخيّلة الشاعرة الفنانة، ووجدتها الصيغة الأنسب للواقع.

مع الشعر تعيش إيتيل عدنان، واستمرار العيش مع هذا الكائن الغريب اليوم، أي مع ما لا يمكن تدجينه وتحويله إلى سلعة، ومع ما يُعلَن عنه يوميا أنه أصبح في عداد الموتى، هو ضَرب من المغامرة. هكذا تنتمي إيتيل إلى فضاء ثقافي ناءٍ ونادر.

لكن، أليست هذه النّدرة بالذات هي ما يجعله أكثر بهاء وأكثر قيمة؟

وفي حين يعلو مديح الابتذال وتمجيد القبح، تظلّ إيتيل عدنان من تلك القّلة التي تؤمن بأنّ الخراب المنتصر لا يمكن أن يختصر صورة العالم، وبأنّ ثمة حقيقة أخرى وراء المشهد الظاهر، “كالجوهرة تحت الأنقاض”، حسب تعبير جلال الدين الرومي.


كاتب وشاعر لبناني مقيم في باريس

14