احتفاء بالشعـر وأعبائه

الاثنين 2016/03/28

في حمى التحولات الشعرية وضجيجها الأخّاذ، في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، أعلن أدونيس أن الزمن، آنذاك، هو زمن الشعر. وكان ذلك في كتاب هام له يحمل العنوان ذاته. وبعد ربع قرن تقريبا، وربما في لحظة من لحظات يأسه النقديّ من الشعر والشعراء، وصف جابر عصفور هذا الزمن بأنه زمن الرواية. وسرعان ما تلقف النقاد عبارة عصفور، وكما جعلها عنوانا لكتابه، رفعوها بحماسة لا تخلو من شماتة بالشعراء، لتكون عنوانا لمرحلة أدبية كاملة، أوعلامة من علامات ترجّل الشعر عن عرشه القديم، ليبدأ عصر تكرست فيه هيمنة الرواية، إعلاميا على الأقل، على المشهد كله.

كان الشعر، في الغالب، واصفا للواقع تارة، يغنيه ويتغنى به، أو حارسا للحلم تارة أخرى، يتماهى معه ويسهر في جوار حرائقه. غير أن هناك تارة ثالثة، يبدو الشعر فيها وكأنه مستغرق في مديح الوهم. فبعد أن يتردى الواقع، وتبدأ مياه الأحلام بالنضوب إذ يظل في الوهم ما يمت للحلم بأكثر وشيجة واهية أو متينة.

يتذكر الكثيرون منا حكاية الصياد الواهم والنهر الموشك على الهلاك. كان الصياد يهرع إلى النهر يوميا، يجلس على حافته مرخيا قدميه وصنارته في ماء أوهامه ساعات طويلة. ومع أن النهر لم يعد يقوى على إيواء سمكة، إلا أن ممارسة ذلك الطقس اليوميّ كان يمنح الصياد إحساسا طاغيا بالسعادة. لقد كان يغرق كل صباح في وهم مائيّ لا ينضب. وحين يعرف، أن النهر مقطوع عن منبع الماء، تصاب أنهاره المتخيلة بالكدمات، وتفر أسماكه ونوارسه من مياه مخيلته إلى الأبد، ويكف الصياد عن وهمه، أوحلمه، أو… قصيدته.

لذلك يظلّ للشعر مجده الكبير، به يتجدد دائما، وبه يصنع تلك الفسحة الضرورية لنا جميعا، أعني فسحة الوهم أو الحلم. إن أشنع ما تهددنا به مدنية التخمة والأسمنت أنها تزحف، شيئا فشيئا، على أوهامنا الكبرى وأحلامنا الصافية فإذا بنا نقف أمام هذه المدنية الشرسة بأرواح عزلاء، وعيون يقتلها الفزع إذ لا حلم ولا وهم.

كنا وما نزال نحتفي بما يصنعه الشعراء بأتباعهم، ولأتباعهم، من الغواة. إنهم سادة اللغة يشتتون شمل الأفاعي بعكازاتهم المصنوعة من كذبهم الجميل وعظامهم النائحة. إنهم حراس أوهامنا البيضاء ونعاسنا المُجَرَّح: يرشون صحونا القاسي بفصول ملبدة بالحنين، ويعيدون إلى قلوبنا قدرتها الصافية على الانفعال، على العويل أو الضحك، الأسى أو البشاشة، الندم أو الرضا، قبل أن تتحول تلك القلوب إلى أحجار صلدة.

وهكذا تمثل القصيدة لحظة خاصة يسمو فيها الإنسان على نقصه ومحدوديته حيث تمتزج النشوة بالعذاب، والأرضي بالسماوي، والجسد بالذكرى. في هذه اللحظة يحقق الشعراء للحياة أجمل ميراثها، حين يمسكون بالزمن الهارب فيمنحونه الخلود والنصاعة، وحين تشرق نصوصهم فيتبدل وجه الكون، وتغدو الكائنات والأشياء أكثر جمالا وأعمق دلالة: القرى والنساء، الذكريات والأنهار، النوم وهمهمة الريح.

تمثل القصيدة إسهام الشاعر في تشكيل جوهر الحياة، وتمثل أيضا حصته في صنع ذاكرة الغد، أي تراث المستقبل أو ماضيه الأكثر إشراقا. إن الشاعر حين يضيف، بقصيدته الجديدة، بعدا آخر لحركة الحياة فإنه يهيئ تراثا لمستقبل لم يأت بعد. أي أنه يسهم، ومنذ هذه اللحظة، في الإعداد شعريا لزمن جديد آخر.

وهكذا يكون الشعر ارتباطا بالزمان والمكان الراهنين، وهو في الوقت نفسه انعتاق منهما معا. إنه فيض الروح والجسد وهما يتمردان على أغلالنا الترابية الباهظة. وهو تطلعنا القلق إلى الاكتمال أيضا.

إن الشعر ازدهار للغة الخاصة في مواجهة الشائع والمكرور من أنماط القول، وهو انتصار لفرديتنا المعذبة على عقلية القطيع، والتشابه والعزلة. وحين يخصص العالم يوما للاحتفاء بالشعر لا بد لنا أن نتمثل واحدة من حقائقه الجوهرية كونه لقاء شديد الخصوصية بين وعي الذات ووعي التاريخ وملَكة لا يتكرر وجودها آليا. كما أن الشاعر هو وريث هذه النعمة الإلهية التي لا تنفد: أعني الخيال. وبهذه النعمة الكبرى وفيها ومنها يخلق الشاعر مدنا لا تندثر، وفراديس من لغة لا تشيخ، ونساء يزددن أنوثة كل يوم.

شاعر من العراق مقيم في الإمارات

14