احتفاء بالصغيرات احتفاء بالأنوثة

يحزن الآباء في مجتمعاتنا الشرقية غالبا لدى ولادة البنات وكأنها نذير كارثة.
الثلاثاء 2018/05/15
تناقضات غريبة

تغلب على ثقافاتنا الشرقية عموما صفة الذكورية لغلبة الحضور الذكوري على المشهد العام وانحسار أدوار النساء، وتغييبهن ضمن الفعاليات العامة والنتاج الثقافي التقليدي، ويحفل تراث هذه المجتمعات بالأساطير والملاحم والقصص التي تروي وقائع البطولة والمآثر العظمى التي يقوم بها الأبطال الذكور مع إغفال واضح لأدوار المرأة.

 تنفرد الثقافة اليابانية ببعض تناقضات غريبة؛ فهي ثقافة ذكورية صارمة تمجد المقاتلين النبلاء من رتبة “الساموراي” وتعتز بمصارعي “السومو” البُدناء المترهلين، ويتحتم على النساء في المجتمع الياباني خدمة الرجال بطريقة مهينة وكـأنها ضرب من العبودية، وبالمقابل تحظى الفتيات الصغيرات باحتفاء سنوي في مهرجان يمجد أنوثة الطفولة.

 يحزن الآباء في مجتمعاتنا الشرقية غالبا لدى ولادة البنات وكأنها نذير كارثة، ففي الهند تجرى مئات الآلاف من عمليات إجهاض الأجنة الإناث بعد الكشف بالسونار، كما تنبذ المرأة المنجبة للإناث في المجتمعات التقليدية العربية ويعمد الرجل إلى التزوج بثانية وثالثة بغية إنجاب الذكور الذين سيصونون الإرث من التفتت ويشكلون قوة عاملة تسند الأب.

 حظرت الثقافة التقليدية في اليابان تمثيل النساء في مسرح الكابوكي، لاعتقاد المجتمع بأن ممارسة النساء للتمثيل سيؤدي إلى الانحطاط الأخلاقي، فكان مخرجو مسرح الكابوكي في القرون الوسطى يستعينون بالصبيان للقيام بأدوار النساء، ولكن الأمر لم يدم طويلا إذ استنكرت الثقافة المتزمتة تقمص الصبيان لأدوار النساء ورأت فيه سببا يؤدي إلى انحطاط الصبيان مثلما النساء، وانتهى الأمر بأن تصدى الممثلون الذكور للقيام بأدوار النساء في مسرح الكابوكي منذ القرن السادس عشر حتى اليوم، كما حصل في المسرح العراقي والعربي في بدايات النهضة المسرحية.

 تعتمد الثقافة اليابانية التقليدية على البنية الطبقية للمجتمع فتمجد النبلاء وتتغاضى غالبا عن النساء. وتعتبر الإمبراطور كيانا مقدسا وسماويا، وتهمل الإشارة إلى الإمبراطورة والأميرات؛ غير أن للمجتمع الياباني بعض إرث تبقّى من المجتمعات الأمومية ردّا على الازدراء التاريخي للأنوثة، إذ يحتفل اليابانيون بـ”يوم الفتاة الصغيرة: هينا ماتسوري”، ويقيمون مهرجانات تقليدية يطلقون عليها اسم “مهرجان الدمى” في اليوم الثالث من شهر مارس، فتؤدى الصلوات في المعابد، من أجل صحة الفتيات الصغيرات وسعادتهن المستقبلية حين بلوغهن السابعة، وتعرض الأسرة اليابانية في هذا اليوم مجموعة من الدمى الخاصة بالصغيرات وتلعب أنواع الطعام والشراب دورا طقوسيا رمزيا مهما في الاحتفال، فيقدم نبيذ الأرز وكعك الأرز الملون المشكّل على هيئة جبل ثلجي وكرات وردية محاطا بأغصان زهور الخوخ التي يعدونها رمزا للبنات وتمثيلا لنضارة الأنوثة.

 تحتفل الأسرة اليابانية عند ولادة كل فتاة بشراء مجموعة من خمس دمى ورقية أو سبع تخصص لمهرجان الفتاة الصغيرة، وقد يهديها الأجداد بعد ولادة الطفلة الجديدة، ويتم في الاحتفال عرض الدمى الورقية بثيابها التقليدية على منصات متباينة المستويات حسب التراتبية الطبقية في موقع الاحتفال قرب النهر، فينظم وضع الدمى بشكل هرمي: دمى تمثل الإمبراطور والإمبراطورة في الجزء العلوي والدمى الأخرى في المنصات الواطئة، وبعد الاحتفال وتناول الطعام الطقوسي تقوم الفتيات الصغيرات – حسب العادات المتوارثة – بوضع الدمى في سلال من القش ويلقينها في النهر وتتلى الصلوات من أجل مستقبل مشرق وزواج سعيد للفتيات معتقدين أن الدمى ستجرف معها – وهي تغرق في النهر – الشرور والأمراض وسوء الحظ الذي قد تتعرض له الفتاة في مستقبل أيامها.

14