احتفاء دعائي بالمخرج خالد يوسف يعمق أزمات اليسار المصري

رموز ناصرية تسقط في فخ الدعم السياسي لشخص تلاحقه اتهامات أخلاقية.
الجمعة 2021/09/10
في مرمى الانتقادات الشعبية

القاهرة – أثار الاحتفاء المبالغ فيه بعودة المخرج خالد يوسف بعد غياب دام نحو عامين في باريس ردودا مختلفة وضعت عددا من رموز الناصريين المحسوبين على اليسار في مرمى الانتقادات الشعبية، خاصة أن غياب يوسف لم يكن على خلفية سياسية وإنما على خلفية مقاطع فيديو ذات بعد أخلاقي.

ولا أحد يعرف بالضبط سبب هذه الانتقادات هل هو سياسي أم أخلاقي؟ وهل تقف خلفه جهات معينة أم جاء صدفة؟ لكن في كل الحالات أصبح الظهور الإعلامي الجديد لخالد يوسف محل انتقادات واسعة، خاصة عندما ألمح إلى أن عودته من فرنسا تمت بالتنسيق مع أجهزة مهمة في الدولة المصرية، بمعنى عدم وجود ملاحقات أمنية له.

ونشر خالد يوسف مجموعة من الصور الأحد الماضي خلال استقباله عددا من الرموز الناصرية، في مقدمتهم المرشح في سباق الرئاسة المصري سابقا حمدين صباحي ووزير العمل الأسبق كمال أبوعيطة، ووزير الصحة الأسبق عمرو حلمي، ورئيس حزب تيار الكرامة وعضو البرلمان السابق أحمد طنطاوي، والنائب السابق هيثم الحريري، والكاتب السياسي عبدالله السناوي وغيرهم، وبدا أن هؤلاء اختزلوا أزمة خالد في أبعادها السياسية دون النظر إلى الجانب المجتمعي.

ظهرت الصور التي اجتمع فيها رموز التيار الناصري كأنها استعراض لقيادات تقاعدت مبكرا وتريد التأكيد على أن لديها القدرة على الاستمرار والتأثير، بينما القضية التي تجمعوا حولها تحظى بانقسامات واسعة في الشارع، وكان يمكن أن يظهر هذا التضامن في قضايا سياسية حقيقية شغلت الرأي العام المصري الفترة الماضية وغاب هؤلاء عنها.

ويرى مراقبون أن أجواء الاحتفاء بخالد يوسف بإمكانها القضاء على ما تبقى من شعبية القيادات السياسية المحسوبة على الناصريين، وأن اللقطات التي جرى انتقادها من مؤيدي التيار قبل منتقديه أظهرت أن قياداته فقدت بوصلة التحرك السياسي والمجتمعي ولم تعد قادرة على اختيار أوقات الظهور والاختفاء.

تفجرت أزمة المخرج خالد يوسف بعد تسريب مقطع فيديو له بصحبة فتاتين من الوسط الفني، وأثار الفيديو جدلا عبر منصات التواصل الاجتماعي، وقيل إن المقصود حرقه سياسيا بعد أن أبدى انتقادات للنظام السياسي، وفضل الرجل السفر في وقت تعرضت فيه الممثلتان منى فاروق وشيماء الحاج للتحقيق والسجن، وأعلنت الأولى أنها فكرت في الانتحار لأنها لن تجد فرصة للعمل أو الحياة، وأنها تزوجت من خالد يوسف بعلم من أسرتها.

تواصلت “العرب” مع عدد من الرموز الذين حضروا اللقاء لكنهم رفضوا التعليق وكشف ما دار فيه وأسباب التوجه إليه بعد عودة يوسف، فيما أكد أحدهم -رفض الإفصاح عن أسمه- أن الزيارة “جاءت ودية للترحيب بصديق مشترك له توجهات ناصرية ومازال يؤمن بها”.

حنان أبوسكين: الناصريون واليسار بوجه عام يعانون من أزمات متعددة

وأشارت مصادر حزبية يسارية لـ”العرب” إلى أن “اللقاء أحدث خلافات داخل بعض أحزاب اليسار بعد أن أضحت الصور المنشورة بمثابة ثغرة واسعة نفذت منها انتقادات شملت التيار كله، في وقت كان الهدف منها خلق رأي عام داعم للناصريين للتخفيف من آثار استهدافهم من جانب دوائر حكومية، وأن خطوات بناء الثقة التي جرى التداول بشأنها الفترة الماضية تعرضت لهدم بموجب اللقاء الأخير الذي بدا استعراضيا”.

وكشف المصدر ذاته أن هناك اجتماعات داخلية من المقرر عقدها قريبا للتعرف على دوافع اللقاء، وأن توجيه انتقادات من جانب قواعد حزبية لقياداتها قد يؤدي إلى موجة خلافات جديدة تدفع بالمزيد من التشرذم داخل التيار الناصري المفتت أصلا.

ولفت إلى أن هناك محاولات لتطويق ردة الفعل الحادة وعدم تجاهل الانتقادات التي جاءت من مواطنين عاديين كان التيار يعوّل عليهم في دعمه في أي خطوات سياسية مستقبلية، بحكم توجهاته الاشتراكية المنحازة إلى البسطاء.

يتفق البعض من السياسيين على أن رموز الشباب في التيار الناصري الذين تمكنوا من تحقيق شعبية مقبولة بفعل معارضتهم القوية وصمودهم في وجه رؤى حكومية نالت من القطاع العام هم الأكثر تضررا من المشهد الأخير، وأنهم طعنوا أنفسهم دون أن يدركوا سبب الربط السريع بين مواقفهم السياسية السابقة وبين الجوانب الأخلاقية التي تتصدر أولويات المجتمع المصري الذي يولي تصرفات الأشخاص اهتماما أكثر من رؤاهم السياسية.

وأوضحت أستاذة العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة حنان أبوسكين أن تيار الناصريين واليسار بوجه عام يعاني جملة من الأزمات التي أدت إلى تخبطه وعدم قدرته على تحديد بوصلته السياسية، منها مشكلة غياب الكاريزما عن قياداته.

وذكرت في تصريح لـ”العرب” أن “بعض الكوادر الشبابية طرحت أفكارا غلب عليها الطابع الثوري ولم تستطع جذب المواطنين إليها، مع معاناة المجتمع من آثار التحولات التي جرت في البلاد عقب ثورة يناير 2011 ووجود رأي عام داعم لتوجهات النظام، وكلها عوامل جعلت هذا التيار يسبح عكس اتجاه المزاج العام”.

ولم تعد توجهات الأحزاب الناصرية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية تلقى أصداء واسعة في ظل الانفصال بين قياداتها والمواطنين سواء أكان ذلك لأسباب ترتبط بتضييق العمل السياسي عليها في الفضاء العام أم لعدم تقديمها بدائل تشكل نواة جذب وافتقارها إلى القدرة على تبني خطاب يتماشى مع التحولات الحالية التي بدت فيها الحكومة ساعية لسد غياب المجتمع المدني والأحزاب عبر مشروعات تنموية لها أبعاد اجتماعية في الكثير من القرى والنجوع والمناطق النائية.

أحمد بهاء الدين شعبان: توحيد أحزاب اليسار المتباينة المشارب ليس ممكنا

ويذهب متابعون إلى التأكيد على أن الحراك الشعبي الذي يدغدغ أفكار اليسار أصبح غائبا، ولم تعد هناك ممارسة سياسية تعكسه داخل أسوار الجامعات كمكان عرف على أنه ساحة لأندية الفكر الناصرية خلال عقود ماضية.

واختفت الشعارات التي تلهب حماس الشباب وتزيد إيمانهم بالمشروع الناصري الغائب، ولم تعد الطبقتان المتوسطة والفقيرة اللتان شغفتا بالسياسة تهتمّان بما يحدث حولهما من تطورات أو تتفاعلان معها، ما جعل القاعدة الشعبية للناصريين معدومة تقريبا.

لأجل ذلك لن يشكل لقاء قيادات وكوادر من الناصريين مع خالد يوسف، احتفاء أو دعاية، فرصة مناسبة للدخول على خط قضايا جماهيرية تتداخل فيها المظلومية السياسية من ناحية أنهم عادوا لارتداء ثوب المعارضة عقب تعرضهم لاستهداف سياسي نتيجة مواقف معينة، ولن يؤدي إلى إحراج النظام الذي تخطى عراقيل كثيرة وضعت في طريقه من قبل ناصريين واشتراكيين ثوريين وإخوان، وقليل من الليبراليين.

وبرر رئيس الحزب الاشتراكي المصري (يساري معارض) أحمد بهاء الدين شعبان تخبط اليسار وتراجع أدواره بتأكيده أن المشكلة في الممارسة السياسية، والدليل أن ما أصاب اليسار طال الأحزاب الليبرالية وهناك استبعاد لدور السياسة في العمل العام مع التركيز على المشروعات التنموية دون رؤية سياسية واجبة، وهي أزمة الحكومة وليس الأحزاب.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “تَوحّد أحزاب اليسار المتباينة المشارب أمر ليس ممكنا في عصر التعددية وليس هناك مجال للانصهار في بوتقة واحدة، لأن التجربة السياسية الحالية في مصر محدودة المقاومات ومازال العمل مقتصرا على التقارب مع السلطة والفوز بمغانمها، كما أن الأجيال الصاعدة تنقصها الاهتمامات السياسية بالتوجهات التي سادت قبل عقد واحد فقط”.

1