احتفالات بريطانيا بالـ"ماغنا كارتا" استدعاء للتاريخ في قالب معاصر

ثمانية قرون مرت على صدور وثيقة الـ”ماغنا كارتا”، التي تحتفل بها بريطانيا، تشاركها في ذلك العديد من دول العالم، بوصفها تجربة قانونية مهمة في تاريخ الإنسانية، وإن كانت بريطانية المنشأ.
الثلاثاء 2015/06/16
عرض مدعم بالمخطوطات والوثائق والمواد البصرية والسمعية

لندن - انضم البرلمان البريطاني لجماعات في أنحاء البلاد في تنظيم حفلات يوم الأحد الماضي للاحتفال بالذكرى الـ800 لإقرار ماغنا كارتا (الميثاق الأعظم) الذي يضمن وجود علاقة جديدة بين الملك ورعاياه.

وتم تنظيم أكثر من 250 حفل شاي، بما في ذلك حفلات وفعاليات في هونغ كونغ وباكستان وأماكن أخرى. وانضم مئات الأشخاص إلى فعاليات خاصة بهذه المناسبة في مكتبات ومتاحف ومقرات حكومات محلية وقصور تاريخية، وحتى في مدخل كاتدرائية سالزبوري بإنكلترا التي ترجع إلى 900 عام.

وتم خلال الفعاليات مناقشة عدد من القضايا مثل الحقوق والسياسة، بما في ذلك مناقشة التوازن بين الخصوصية الشخصية والأمن العام في تشارتويل، منزل عائلة رئيس الوزراء الأسبق ونستون تشرشل.

وقال رئيس مجلس العموم البريطاني جون بيركو “ماغنا كارتا تجسد مبادئ عززت تأسيس الديمقراطية البرلمانية بالإضافة إلى النظام القانوني في المملكة المتحدة وحول العالم”. وتوجهت الملكة إليزابيث أمس الاثنين إلى رونيميدي، على بعد 30 كيلومترا غرب لندن لحضور مراسم الاحتفالات صحبة زوجها الأمير فيليب وحفيدها الأمير ويليام.

وفي أرجاء المعرض المبهر الذي نظمته المكتبة البريطانية بهذه المناسبة، يلحظ الزائر براعة العرض، المدعم بالمخطوطات والوثائق، والمواد البصرية والسمعية، والمؤلفات المهمة التي صدرت حول الماغنا كارتا. حالة استدعاء للماضي في قالب معاصر، فيه اقتفاء لسيرة هذا العهد القانوني التأسيسي، وممارسة النقد الإبداعي للتاريخ، دون شعور بخجل، أو رغبة في تجميل مستعار.

توماس جفرسون: كل ما يتطلبه الطغيان للوجود هو بقاء ذوي الضمير الحي صامتين

ويرجع للميثاق الفضل في إلهام المصلحين الديمقراطيين في بريطانيا وغيرها من الدول ومن بينهم مهاتما غاندي في الهند. وتأثر بها توماس جيفرسون في كتابة إعلان الاستقلال عام 1776، وإعلان الحقوق عام 1791، وارتكن إليها دعاة الاستقلال من الاستعمار البريطاني في العديد من أجزاء الإمبراطورية التي وصفت يوما بأنها لا تغرب عنها الشمس، إلى حد أن إدارة المستعمرات في الحكومة البريطانية ألغت عام 1947، الاحتفال بالوثيقة في أنحاء الإمبراطورية حتى لا يستغلها الساسة المحليون في نضالهم من أجل الحرية.

أما في بلادها -أي بريطانيا- فقد تحولت إلى وثيقة مهمة يشار إليها في النضال القانوني، وفي الحد من سلطة الملك، وأحيانا في مواجهة البرلمان نفسه. وصار اسم الـ”ماغنا كارتا” على الأبنية، والملابس، والشوارع، بما فيها أكواب الشاي والقهوة، بما يجعله ركنا ثابتا في الثقافة العامة، وليس فقط القانونية.

يذكر أنه تم تبني ماغنا كارتا في 15 يونيو 1215، عندما وقع الملك جون على الميثاق في رونيميدي بالقرب من لندن.

وتمنح الفقرة الأكثر شهرة في الميثاق حق الحصول على العدالة والمحاكمة العادلة “لجميع الأحرار”، على الرغم من أنه في عام 1215 كان معظم البريطانيين من القرويين، الذين يخضعون لملاك الأراضي، لذلك لم يكونوا يعدون من الأحرار، وفقا للقانون.

وينص البند الأول على أن تكون الكنيسة في إنكلترا حرة أي حرة من التدخلات الملكية بشؤونها، في حين يحصر البند الثاني حقوق الملك بالتدقيق بالغرامات والواجبات المالية للنبلاء عندما تسلم أراضيهم بعد وفاتهم إلى ورثتهم.

البريطانيون يحتفلون بالذكرى الـ800 لإقرار ماغنا كارتا ملهمة الدستور الأميركي

وأصبحت البنود هذه أو أخرى شبيهة بها ما يسمى اليوم بحقوق الإنسان، وما زالت أصداؤها تتردد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكنها تأتي في نهاية الـ”ماغنا كارتا”، إذ ترد في بداية المستند البنود التي تعني كاتبي المستند أي الأساقفة والنبلاء.

وتؤكد الوثيقة، التي تحتوي على 63 مادة، أنه في غياب سيادة القانون لا يمكن أن تسفر جهود أي دولة لتعزيز الديمقراطية عن أي نتيجة، أو إرساء أي شكل من أسس ازدهار الدول.

ولم تكن الماغنا كارتا أول ميثاق للحد من سلطة الملك فقد سبق هذا الميثاق ميثاق آخر للحريات صدر في عام 1100 وتأثر به تأثرا مباشرا في عهد الملك هنري الأول.

وضاعت النسخة الأصلية من الـ”ماغنا كارتا” والتي تحمل ختم الملك جون منذ وقت طويل، لكن هذه النسخة التي حفظت في ساليبزبوري، هي واحدة من أصل أربع نسخ تم توزيعها على البلدان عام 1215.

وأصبحت الـ”ماغنا كارتا” بسرعة، وما زالت حتى يومنا هذا، وسيلة اختبار للحريات للقرون الوسطى، كما كانت أداة ضغط حادة لأنها أجازت للنبلاء استخدام القوة لإعادة الملك جون إلى الخط المستقيم في حال أظهر أي تقاعس في الإيفاء ببنودها.واحتوت وثيقة عام 1215 على قسم كبير يسمى الآن بالبند رقم 16 (الوثيقة الأصلية لم تكن مقسمة إلى بنود).

وبناء على هذا القسم تأسست لجنة من 25 بارونا لهم أن يجتمعوا في أي وقت وأن يلغوا سلطة الملك إن خالف أحكام الميثاق وأن يجردوه من قلاعه وممتلكاته لو استدعى الأمر ذلك، بناء على إجراء قانوني عرف بالمصادرة في العصور الوسطى ولكنه وللمرة الأولى يطبق على حاكم. بالإضافة إلى هذا، فعلى الملك أن يقسم بالولاء لتلك اللجنة.

بلغ انعدام الثقة بين الطرفين مبلغه، فما كان الذي سعى البارونات خلفه إلا الإطاحة بالملك، ولم يكن المطالبة بالميثاق سوى حيلة. كان البند رقم 16 تحديا بالغا لسلطة جون كملك حاكم. فتوقف عن العمل بموجبه فور خروج البارونات من لندن. وكذلك البابا انسنت الثالث أبطل ما سماه بالاتفاقية المخزية والمهينة المفروضة على الملك بالتهديد والقوة.

ورفض أي مطالبة بوضع قيود على تصرفات الملك قائلا إن ذلك يحط من كرامة جون. فكان يراها إهانة لسلطة الكنيسة التي يخضع لها الملك والأراضي البابوية من إنكلترا وأيرلندا.
كذلك خلّص البابا الملك جون من القسَم الذي يوجبه طاعة الاتفاقية، وأدرك المتمردون أن الملك جون لن تقيده الـ”ماغنا كارتا” مطلقا فأخذوا بالسعي إلى استبداله بملك جديد. ولم ينقذ الوثيقة إلا وفاة الملك جون المفاجئة.

20