احتفالية المولد النبوي تثير خلافات دينية في الجزائر

تحوّلت ذكرى المولد النبوي الشريف في الجزائر، إلى محطة استقطاب قوية، بين الداعين إلى الاحتفال بها، وبين الرافضين للمسألة، وفق ما تمليه عليهم مدارسهم وانتماءاتهم المذهبية، ما يعكس حدّة الصراع القائم بين مختلف التوجّهات الدينية المتفاقمة في البلاد خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي بات مصدر قلق حقيقي للسلطات.
السبت 2017/12/02
لا للتطرف

الجزائر - وظّف وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، إشرافه على الاحتفالات الرسمية بذكرى المولد النبوي الشريف، للتشديد على إرساء نهج الوسطية والاعتدال الديني في البلاد، وعدم الانسياق وراء الدعوات التي تقف وراءها مجموعات دينية، تعمل على نشر أفكار دخيلة وتوسيع انتشارها في أوساط الشباب.

وأكد من مدينة البليدة، على أن بلاده “ترفض عودة الخطاب المتطرف، والدعوات المتنامية لبث أفكار ومعتقدات دخيلة، تسهم في توسيع دائرة الكراهية واليأس في نفوس الشباب، من دينهم وبلدهم ويدفعهم إلى الهروب من وطنهم”.

وقال “إن الجزائر لن ترضى بعودة الطائفية التي تقسّم المسلمين إلى مستويين، وإنها متمسكة بالخطاب الوسطي والمعتدل، المستمد من سيرة رسولنا الكريم، الذي كرّس دعوته إلى نشر قيم التسامح والمحبة بين المسلمين”.

وأضاف “عدّة أطراف خارجية تسعى إلى التشويش على الجزائر، من خلال محاولة بث أفكار متطرفة، تسبّبت في تفكيك دول قريبة، تعيش الآن على وقع التفجيرات والقتل، وهو الأمر الذي يرفضه الشعب الجزائري المحب لوحدة وطنه”.

وتابع “إن الجزائريين لا طالما عاشوا إخوة، لا يفرّقون بين صوفي ووهابي، وإنما مسلمون يؤمنون بالله ورسوله، وهو الأمر الذي علّمه لنا أجدادنا وسنعلّمه للأجيال القادمة”.

وشدّد وزير الشؤون الدينية والأوقاف، على أن “أفضل طريقة لمحاربة هذه الحركات المتطرفة، هو الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، من أجل استحضار قيم ومبادئ رسول الله الكريم، وأن ارتباط ومحبة الجزائريين برسولهم لا يحتاج إلى فتوى من طرف أي أحد”.

وأثارت احتفالية المولد النبوي خلال السنوات الأخيرة بالجزائر، سجالا حادا، بين عدة مجوعات دينية، تتبادل التهم في ما بينها، حول الانتماءات المذهبية والعقائدية، وتكرّس الخلافات العميقة في ما بينها، فبينما يتمسك المحتفلون بالوفاء لرسالة التسامح واستحضار القيم النبوية، يتهمهم الرافضون بإحياء تقاليد وطقوس كرّسها التواجد الشيعي التاريخي في البلاد.

وتعكف الحكومة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، على التحكم في الخطاب الديني المعتدل، وعلى تأطير المساجد وأماكن العبادة في تراب الجمهورية، من أجل تحييدها عن الصراعات المذهبية والطائفية، وعدم توظيفها في نشر أفكار وتوجهات دينية، باتت تشكل خطرا حقيقيا على الاستقرار الفكري والديني للمجتمع.

وأكد عضو هيئة المجلس الإسلامي الأعلى يوسف بلمهدي أن بلوغ هذا الهدف يتوجّب تطوير الخطاب الديني، وتغيير أساليب وآليات تبليغ الرسالة الدينية، بانتهاج أسلوب الإيجاز والتعمّق في الأفكار.

وشدّد على “ضرورة مراعاة عامل البلاغ الإعلامي والعلمي مع الخطاب الديني، وخصائص الفئة المعنية، وتكثيف الحضور في شبكات التواصل الاجتماعي”، في إشارة إلى تخلّف الجهات الرسمية في استثمار العالم الافتراضي للترويج لنهج الوسطية والاعتدال، مما سمح لنشطاء المذاهب الدخيلة بالهيمنة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبرزت في الآونة الأخيرة، العديد من المذاهب والطوائف الدينية في الجزائر، استطاعت أن تستقطب أنصارا لها، ما خلّف حالة من الارتباك الرسمي والاجتماعي.

وصار التواجد الشيعي والبهائي والأحمد والكركري، محلّ جدل متصاعد، لا سيما مع كشف التحقيقات الأمنية عن جذور لها تمتد إلى عواصم ومراكز معروفة، في قم وكربلاء ولندن وباكستان، وتخطيط أصحابها لإقامة مشروعات دعائية ضخمة وجمعيات، للتخفي وراءها في نشر أفكارهم.

وكان محمد عيسى اغتنم فرصة إشرافه على احتفالية المولد بمدينة البليدة، لنفي ما تداولته وسائل إعلام عربية، حول قيام حزب الله اللبناني بتمويل حركة حماس الفلسطينية، عن طريق بنوك جزائرية، وشدّد على رفض أن تكون الجزائر طرفا في صراع طائفي أو ميدانا له.

وقال “من يريد أن يخوض حربا طائفية عليه أن يخوضها في بلده”، في إشارة إلى ما أسماه بـ”الأوساط التي تريد توريط الجزائر في صراعات مذهبية وطائفية، في إطار

أجندة تجاذب إقليمي متعدّد الأوجه في المنطقة”.

وتعكف الحكومة الجزائرية، حسب محمد عيسى على مراجعة متواصلة وإصلاح جذري للخطاب الديني، لقطع الطريق على معتقدات التطرف الديني والإرهاب المسلح، حيث فسحت المجال في السنوات الأخيرة، أمام التيار الصوفي من أجل تحقيق توازن روحي في المجتمع، عبر دعم وتشجيع المدارس والخطاب الصوفي، وحمايته من المد الإخواني والسلفي.

وقال إن “التجربة الجزائرية في محاربة الإرهاب والتطرف الفكري والديني، أصبحت اليوم نموذجا تقتدي به كثير من الدول، وإن الإصلاح المرتقب، يعتمد أساسا على اجتثاث التوظيف الأيديولوجي في الخطاب الديني، واستلهامه من الثقافة والموروث الوطني الأصيل”.

وفي ما يخص المسابقة الوطنية الخاصة بالدخول لمعاهد تكوين الإطارات الدينية، أشار عيسى إلى أنه “سيتم اختبار المترشحين حول استعدادهم للتكوين في مجال الإمامة ومدى إلمامهم بالمرجعية الدينية الوطنية في ظل تنامي الطوائف والجمعيات التبشيرية التي تريد أن يكون لها موطأ قدم في الجزائر”.

وكشف محمد عيسى عن وجود لجنة تعمل بالتنسيق مع المصالح المعنية لمراقبة الكتاب الديني بمناسبة الصالون الدولي للكتاب الذي سينطلق قريبا بالجزائر، مبرزا أن مصالح التفتيش التابعة لوزارته تقوم بمراقبة الكتب داخل المساجد بصفة “دورية ومستمرة”.

4