احتفال باهت بذكرى إسقاط نظام القذافي في ظل الانفلات الأمني

الخميس 2013/10/24
رفض معظم الشعب الليبي لسطوة الميليشيات المسلحة لم يحد من نفوذها

طرابلس - مرّت الذكرى الثانية لإعلان تحرير ليبيا من نظام العقيد الراحل معمّر القذافي، أمس الأربعاء، من دون مظاهر احتفالية على غرار العام الماضي. وهو ما يعكس، حسب معظم الملاحظين، حالة التذمّر التي تُغالب الليبيين من الواقع الذي تعيشه البلاد في ظل أوضاع أمنية غير مستقرة.

ويقارن الليبيون، هذه الأيام، الفرحة العارمة التي عاشوها عام 2012 خلال الاحتفالات بالذكرى السنوية الأولى لرحيل نظام القذافي الذي حكم البلاد طوال 42 عاماً، بحال الترقّب والحذر التي يعيشونها في ظل ارتفاع معدّلات جرائم القتل والاختطاف، والاشتباكات المسلّحة شبه اليومية بين مسلّحين كانوا بالأمس في عداد الثوّار.

وقد أدّت حالة عدم الاستقرار وما إليها من انفلات أمني إلى بروز دعوات انفصالية تحت مسميات عديدة أبرزها الفيدرالية، مثلما يُطالب بذلك المجلس المحلي بـ»إقليم برقة» شمالا.

يُذكر أنّ الثورة الليبية ضد حكم القذافي اندلعت في أواسط فبراير 2011 انطلاقا من مدينة بنغازي شمال شرق البلاد، وذلك قبل أن تمتد إلى مختلف المدن والبلدات الليبية، حيث لم يقتحم الثوار العاصمة طرابلس إلاّ في 20 أغسطس2011 ويحكموا السيطرة عليها، بفضل الدعم الأساسي للهجمات الجويّة لحلف الناتو الذي قوّض توازن قوات نظام القذافي.

كما أدّت حالة الفوضى إلى اقتراب توقّف ضخ النفط الخام، بعد أن سيطر مسلّحون يطالبون بالفيدرالية على معظم الموانئ والحقول النفطية بالمنطقة الشرقية، وتراجع إنتاج النفط إلى أن وصلت صادراته إلى نحو 150 ألف برميل يوميا مقارنة بمليون و400 ألف برميل كانت تصدّرها ليبيا في عهد القذافي.

ويرى عدد من الملاحظين أنّ تمسّك بعض الثوار بسلاحهم وعدم تسليمه لأجهزة الدولة الرسمية جعل الحكومات المتعاقبة عاجزة عن تقديم أي حلول للمعضلات التي تعيشها البلاد، فلم تستطع إرجاع الشركات الأجنبية لمواصلة تنفيذ المشاريع التي تحتاجها البلاد في الظرف الراهن.

ومع ذلك يتبنّى ليبيّون آخرون نظرة تفاؤليّة عبر التأكيد على أن البلاد تحتاج إلى مزيد من الوقت لتصبح أفضل حالا. وفي هذا السياق، يقول الأستاذ الجامعي رضا بن خليفة إن «ثلاث سنوات في عمر ثورة شعبية أطاحت بنظام ديكتاتوري تربّع على البلاد طيلة أربعة عقود غير كافية بأن تحسم الأمور».

واعتبر، في تصريح لـ»يونايتد برس إنترناشونال»، أن البلاد بحاجة إلى مزيد من الوقت، كما أنها بحاجة إلى حكومة قوية قادرة على حسم الأمور وعدم التساهل مع الخارجين عن القانون.

أمّا على الصعيد التشريعي، فقد رأى مراقبون أن المؤتمر الوطني العام (البرلمان الليبي) تحوّل بدوره إلى نقطة جدل وخلافات ومكان للاعتصامات، وعرضة للاقتحام بين حين وآخر.

كما يشعر أعضاء البرلمان بالانزعاج من هذه الأوضاع، لاسيّما أنهم غير قادرين على التأثير في مسار الأحداث السياسية في البلاد. ويعود ذلك إلى انقسامهم بين كتل إسلامية وأخرى علمانية، فضلا عن «المستقلين» الذين تتوزّع ولاءاتهم بين هذه الفئة وتلك.

وقد دفع التباين الشديد، تحت قبّة البرلمان، ومحاصرته أو اقتحامه أكثر من مرّة إلى تقديم بعض النوّاب استقالتهم، في حين يتغيّب البعض الأخر منهم بشكل متعمّد عن حضور الجلسات، وهو ما أثّر سلباً في أداء البرلمان وتصويته على القوانين أو القرارات.

ومن جانبه، أرجع المحلّل السياسي محمد البوعيشي، أسباب الأوضاع المضطربة على المستويين الأمني والسياسي في ليبيا بعد سنتين على تحريرها من حكم القذافي، إلى»وجود الأحزاب قبل صدور قانون ينظّمها ويحدّد مستوى مشاركتها في الحياة السياسية»، معتبرا أنّه «كان من الخطأ الكبير والفادح أن تفتح أبواب البرلمان لأحزاب كرتونية لا قاعدة شعبية لها». وأضاف البوعيشي أن هناك أحزابا «مشكّلة من بضعة أشخاص يجمعهم ربما هدف واحد ولا قاعدة شعبية وراءهم.. هم فقط يمثلون أنفسهم ولا يمثلون أحدا».

وتجدر الإشارة إلى أنه منذ أن تمكّن الليبيون من إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي بعد ثورة 17 فبراير عام 2011، شهدت البلاد حراكاً سياسياً أثمر ظهور عشرات الأحزاب ومئات منظمات المجتمع المدني التي كانت محظورة ويُعاقب مَن ينتمي إليها بالسجن المؤبد أو الإعدام.

كما أدّى الاستقطاب السياسي الحزبي إلى تفاقم حالة الانفلات الأمني في مختلف مدن البلاد، وخاصة في مدينة بنغازي التي تعيش يوميا على وقع تفجيرات واغتيالات تطال قادة الجيش والشرطة السابقين بجانب استهداف للصحفيين والناشطين الحقوقيين الذين يطالبون بحل التشكيلات المسلحة التي أفرزتها الثورة الليبية عقب سقوط القذافي.

في هذا المضمار، يقول رجال أمن سابقون إن المؤسسات الأمنية والعسكرية كانت انهارت تماما، مُطالبين الشعب بالصبر حتى يتم بناء الدولة من جديد.

يُذكر أنّ الكثيرون من عناصر الجيش والشرطة السابقة يخشون من الالتحاق بأعمالهم خوفا من انتقام الثوار، الذين كثيرا ما يروّجوا أن العناصر الأمنية كان لها ضلع كبير في التسبب في قتل العديد من الثوار والانحياز إلى نظام القذافي ضدّ تطلعات الشعب الليبي.

وقد دعت وكالة الأنباء الليبية الرسمية الليبيين إلى «دعم التآزر والتآخي والتواصل والتحاور والتصالح في هذه المرحلة لتحقيق الأهداف التي قامت من أجلها ثورة السابع عشر من فبراير من عام 2011 وأن تكون حرية المواطن ووحدة ليبيا ومقدرات الشعب الليبي خطوطا حمراء يصعب تجاوزها». وهو ما يحول الانفلات الأمني، إلى حدّ الآن، دون تحقيقه.

2