احتفال بصري بمساحة جغرافية فردوسية وتاريخية

الأهوار تتربع على عرش وجدان فنانيْن عراقييْن رسما وفوتوغرافيا في محاولة لإيصال صوت الأهوار المتخبطة بمصائبها.
الجمعة 2018/11/30
أشرعة خيالية واقعية

الأهوار العراقية لا تعرف إلاّ أن تكون مصقولة بالأساطير، وهي لذلك تستدعي زائرها أو كل ناظر إلى الأعمال الفنية التي تجسدها إلى أن يتلقاها ساحرة وواقعية في آن واحد، هذا ما أخذنا إليه المعرض المشترك “بين النهرين” الذي تقيمه صالة “آرت سبيس” البيروتية حاليا للفنانة العراقية ليلى كبة كعوش وللمصور الفوتوغرافي العراقي الفنان إحسان الجيزاني.

بيروت – عندما كنت طفلة أخبرتني والدتي أنها زارت منطقة في جنوب العراق اسمها الأهوار فيها كل أشكال الطيور الممكنة وغير الممكنة، واستطردت في تفاصيل وصفها لي حتى باتت في ذاكرتي ضربا من ضروب الخيال.

ومنذ بضعة أيام جاء المعرض الذي افتتح في صالة “آرت سبيس” الحمرا ببيروت تحت عنوان “بين النهرين” ليؤكد لي أن كل ما أخبرتني به الوالدة كان حقيقة دامغة لا مبالغة فيها، وأضفت هذه الذكريات البعيدة التي حملتها في داخلي منذ أيام الطفولة سحرا خاصا على زيارتي للمعرض، فالتنقل ومعاودة التنقل بين الأعمال الفنية لفنانين أصيلين يعرفان الأهوار عمق المعرفة وتعني لهما الكثير.

المعرض حدث مشترك للفنانة العراقية ليلى كبة كعوش وللمصور الفوتوغرافي العراقي الفنان إحسان الجيزاني، وضم مجموعة لوحات للفنانة استمدتها من روح الأهوار العراقية، وشاركها في هذا الاحتفال الشعري/ البصري بتلك المساحة الجغرافية الساحرة الجيزاني بصوره الفوتوغرافية اللافتة بحساسيتها والتي يحار الناظر إلى معظمها إن كانت لوحات تشكيلية شُيدت بتأن أم فوتوغرافية لا دور للتدخل الديجيتالي في تشكيل ملامحها وأبعادها.

والمشترك بين الفنانين هو العزف المتجانس والمتداخل والمتكامل على أوتار منطقة تاريخية لا يمكن حصر الكلام عن غناها ببضعة كلمات في مقال.

وقد أفلح الفنانان في نشر جو من التعاطف الشديد بين زوار المعرض تجاه جغرافيا الأهوار التي امتزجت فيها الأساطير بالحقائق وعانت الكثير على مدى العصور، كما استطاع الفنانان أن ينقلا إلى أعمالهما مزاج الأهوار لتبقى أهازيجها المبتهلة وأغانيها الحزينة حيّة وعامرة على صفحات مياهها وعلى رؤوس نبات القصب الساكن في أوصالها، والصادح في إيقاعات الماء وارتجافات الهواء المشبع بعطر أهلها وترابها ونباتاتها المتنوعة.

ليس من السهل أن يستطيع أي فن أن ينقل هذه الأجواء إلى قلب المتلقي، وقد استطاع الفنانان ذلك لشغفهما بهذه المنطقة، ورغبتهما الشديدة في أن يكون المعرض محاولة عنيدة لإيصال صوت الأهوار المتخبطة بمصائبها.

 تجاعيد تنبت من عرق الأرض
 تجاعيد تنبت من عرق الأرض 

تقول الفنانة العراقية ليلى كبة كعوش عن المعرض “حققت الرغبة في زيارة الأهوار وقد حفرت هذه الزيارة أثرها عميقاً في نفسي، وإذ باللوحات التي رسمتها عن الأهوار بدأت تتوالى الواحدة بعد الأخرى، ازداد انغماسي في الأشهر التي تلت الزيارة وأردت أن يكون لي دور مساهم يفعّل ويسارع من عملية الإنقاذ، فكان هذا المعرض بالتعاون مع المصور العراقي إحسان الجيزاني الذي يشاركني نفس الشغف ونفس الرغبة في نشر الوعي حول هذه المنطقة الفردوسية والتاريخية”.

يقتنع الناظر إلى الأعمال بأن مسمى “الفن الافتراضي ليس حكرا على  المعتمد على تقنيات ديجيتالية أو على الطارح لعوالم بديلة لا حضور ماديا لها، فهذا المعرض أكسب الفن التشكيلي والتصويري الفوتوغرافي بعدا أثيريا عميق المدى ومفتوح الآفاق”.

ويستحضر الفنانان منطقة الأهوار العراقية الدامغة كالفجر بعراقتها الناصعة وأجوائها الفردوسية عبر رفدهما، تماهيا مع نهري الدجلة والفرات، ساحة العرض بشطحات أثيرية يستحيل أن يراها المشاهد إلاّ من خلال منظور الغياب وهو يتخايل ذاته حضورا.

فهذا الحضورالذي يضعنا أمامه الفنانان العراقيان، الفنانة التشكيلية ليلى كبة والمصور الفوتوغرافي إحسان الجيزاني، هو حاضر ارتوى على السواء من ماء الذاكرة العاطفية ومن نضارة نظراتهما التي استرسلت في تلك المشاهد المفتوحة على تعددية الأزمنة منذ ما يقل عن سنتين، وذلك لدى زيارتهما إلى منطقة الأهوار العراقية.

انصقل هذا “الحضور” وارتقى إلى مستوى ساحة أثيرية مضت حدودها خارج جدران المعرض نحو حقل البصر المفتوح على لا محدودية منطقة الأهوار المتصلة شاعريتها وعظمتها بالإنسانية جمعاء، والتي لا تخص العراق وحدها.

رفد الفنانان، كل منهما بلغته الخاصة، هذا “الحضور” الهش بأثريته والراسخ بتاريخه حتى بات، كما في لوحات ليلى كبة، رقراقا ومتصدعا تخلخله النسائم كالسهام الأفقية لتفتح رئتيه المرتجة بجريان أشعة الشمس وبعيدان وأغصان القصب الدقيقة.

المعرض الثنائي المشترك أكسب الفن التشكيلي والتصويري الفوتوغرافي بعدا أثيريا عميق المدى ومفتوح الآفاق

أغصان أو قوارب صيد ونقل مصنوعة من القصب والبردى يطلق عليها اسم “مشاحيف” تطوف المسطحات المائية، وتنتشر عرضا في أفق العديد من اللوحات كانقشاعات وامضة، انقشاعات لا تحيل إلى الحاضر المأزوم الذي تحاول السلطات العراقية الحاضرة تحسين ظروفه بقدر إحالتها إلى مستقبل “عدنيّ”، يريد كما تريد هي، أن يعج بطيوره المهاجرة وأوزه وأسماكه وحيوناته ونباتاته وأهله الطيبين/ الشعراء بالفطرة والممارسة وببيوته المشيدة من القصب والبردى المسماة بالصرايف. لاغرابة في هذا الاسترسال في السفر على متن الرؤية، بمراكمة الصور وتذويبها في ماء واحد، ولكن متعدد العناصر وضمن اللوحة الواحدة إن كانت الفنانة ليلى كبة كعوش هي المسافرة.

فنانة يفيض من وجدانها، ليس أقل من رغبة، فتحقيق لخوض هائل في عوالم ما تراه أمامها وينعكس في وجدانها، حيث يخضع لإعادة صوغ وتطعيم على هوى أسلوبها الفني/ التعبيري الذي يحلو أكثر كلما ابتعد عن التكعيبية.

أما الصور الفوتوغرافية التي يقدمها الفنان/ المصور إحسان الجيزاني فيبدو أنها تشير إلى أن اختبار الرؤية المباشرة والعفوية عنده وقد استحال إلى تيه غنائي يلفحه حس إنساني حاد، ولكن ملجوم بقوانين بصرية وذهنية حازمة لا ترضى أن تصير غنائية نصه مجرد تفعيل بصري ضيق لذكريات غابرة أو قيد التشكيل.

شكل أمامنا هذان الفنانان المرتوان على السواء من ماء الذاكرة ومن نضارة نظراتهما التي استرسلت في المشاهد المفتوحة، أهوارا تاريخية/ أثيرية/ افتراضية/ واقعية/ فردوسية/ ناجية من اعتداءات البشر، أهوارا حقة من ماء خصب وضوء متكسر وناس شعراء ونبات متنوع، أهوارا تطوف على سطح مائها أشرعة القوارب، أشرعة خيالية/ واقعية أخذتنا بدورها نحو أبعاد وجدانية خارج محدودية المكان والزمان، لتكون واقعا لازمته هالته المضيئة ملازمة القدر ولتتجسد “بالفعل” كما في الخيال.

17