احتقان سياسي وعرقي يحول مالي إلى أكبر تجمع للتنظيمات الإرهابية

تشكل عودة الهجمات المسلحة إلى شمال مالي وتقدمها بشكل نوعي نحو العاصمة باماكو، وتزامنها مع اتساع دائرة نشاط الإرهاب على المستوى العالمي، واجهة لشبكة من الصراعات المعقدة والمتجذرة ليس فقط في هذا البلد وإنما في عدد من دول المنطقة.
الثلاثاء 2015/11/24
ضعف أمني يساعد على تكاثر الجهاديين ويعيق دحرهم

باماكو- عادت مالي لتنال حيّزا هاما من المتابعة العالمية، سياسيا وإعلاميا، على خلفية الهجوم الإرهابي الذي استهدف فندق “راديسون” في باماكو، الجمعة الماضية، والذي كشفت تداعياته عن أن هذا البلد بات يشكّل أكبر تجمع للجماعات الإرهابية في الساحل الأفريقي.

ويؤكّد هذا الأمر، تنافس مجموعة من التنظيمات الإرهابية على تبني هذا الهجوم، الذي بدأ بعملية احتجاز رهائن وانتهى بمقتل 21 شخصا، حيث أعلن كل من تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي وجماعة المرابطون مسؤوليتهما عن الهجوم، ثم انضمّت إليهما جبهة تحرير ماسينا في نسبة التفجير إليها، وذلك في بيان أُرسل إلى راديو فرنسا الدولي.

ومن بين هذه المجموعات الثلاث لفتت جبهة تحرير ماسينا الانتباه أكثر باعتبارها تنظيما حديث العهد، ظهر في مستهل العام الجاري، لكنه تميز عن التنظيمات الأخرى بقدرة عناصره على القيام بهجمات في مدن الوسط، وأيضا في العاصمة باماكو ومحيطها، ناقلا المعركة من صحراء وأحراش الشمال المهجورة إلى قلب عاصمة القرار السياسي الآهلة بالسكان والرعايا الأجانب، خصوصا الفرنسيين منهم.

ويؤكّد الخبراء أنه مهما كانت الجهة المسؤولة عن التفجير، فإن الحقيقة الأهم والواقع الأخطر هو أن مالي تظلّ أكثر بلدان الساحل الأفريقي استهدافا من قبل الهجمات الإرهابية، بسبب هشاشتها المنبثقة عن حالة عدم الاستقرار التي تعيشها منذ أكثر من 3 سنوات.

التنوع العرقي حين يقترن بسياق سياسي حارق كالذي تشهده مالي يجعلها أرضا خصبة لنشاط الجماعات الإرهابية

وتخلق هذه الهشاشة العديد من الثغرات، وتجعل من التصدي للمد الإرهابي الذي ينخر العالم بأسره، عملية بالغة الصعوبة بالنسبة إلى بلد لا يزال عالقا بين تحالف الأنشطة الإرهابية وعصابات التهريب، وبين شرخ اجتماعي يتعمّق تدريجيا على حساب سكان المناطق الشمالية.

ودفع هذا الأمر الخبراء إلى التساؤل حول أسباب التركيز على مالي بالذات، وحقيقة نتائج الحرب التي شنتها فرنسا عليها لمحاربة المتشددين. وكانت وزارة الدفاع الفرنسية قد أعلنت في يوليو 2014، عن نجاح العملية الأولى المسمّاة “سرفال”، في مهمتها المتمثلة في طرد الجماعات الجهادية من شمال مالي، والانتقال إلى المرحلة الثانية من الحرب المسماة عملية “بارخان”، التي خصصت لاستئصال تلك الجماعات نهائيا وتطهير المنطقة منها.

وفي إطار بحثهم عن أجوبة على هذا التساؤل تطرّق الخبراء المختصون في شؤون الساحل الأفريقي، إلى المسألة العرقية في مالي، قائلين بأنها تحولت إلى “لعنة” تفاقم من أنشطة المجموعات المسلّحة؛ فالتنوّع العرقي حين يقترن بسياق سياسي حارق كالذي تشهده مالي على خلفية انقلاب مارس 2012، يحول البلاد إلى أرض خصبة أو يمهد للإرهاب، وهو الهدف المفضّل للمجموعات المسلّحة المتمركزة في كلّ مكان.

بيئة مناسبة للإرهاب

توسعت رقعة التوتر العرقي في البلاد، وأخذت بعدا خطيرا إثر تصاعد حدة الصراع بين بعض القوميات الأفريقية في مالي. وخلقت هذه المعطيات ثغرات أمنية كان لا بدّ أن تقتنصها تلك الجماعات، لتنفّذ هجمات ذات طابع إرهابي هزّت البلاد خلال السنوات الأخيرة، لتشهد على عمق الاهتزاز وعدم الاستقرار الذي تعاني منه.

هجوم باماكو رسالة إلى باريس ردا على حربها ضد الإرهاب

وتشهد مالي معركة طائفية بين سكان الشمال والمجموعات المسلحة المتمركزة في تلك المناطق، إضافة إلى بقية الجماعات الموالية للحكومة المركزية في باماكو، بحسب الطيب دجوراب، الجامعي التشادي الناشط في نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأميركية.

وفسّر دجوراب هذا الخلاف مشيرا إلى أنّ “الطوارق والعرب يدعون أنهم من أصول مالية، غير أن السلطة المركزية وجزءا من السكان الآخرين يعتبرونهم أجانب قادمين من الجزائر وموريتانيا، وهذا ما يشكل جزءا من المعادلة الصعبة في سبيل تحقيق استقرار هذا البلد الذي تمزقه النزاعات المسلّحة”.

وأضاف أن “بعض سكان الشمال ممّن يعيشون ظروفا معيشية قاسية، غالبا ما تضطرهم قسوة الحياة إلى التوجّه نحو التهريب وغيره من الأنشطة غير القانونية”، وهو ما ولّد “توظيفا سياسيا متزايدا وحالة من الفوضى”.

ولقيت هذه القراءة تأييد لمين ولد سالم، المختص في قضايا الساحل الأفريقي، ومؤلّف كتاب “بلمختار.. بن لادن الصحراء”، والذي أشار إلى أن “الإهمال الذي تعرّضت له المناطق الشمالية في مالي على مدى العشرين سنة الماضية، ساعد في حصول عدة جماعات مثل “جماعة المرابطون” بقيادة بلمختار على الوقت الكافي للتمركز وتعزيز قواعدها من خلال معدّات ومجنّدين جدد”.

ويرى ولد سالم أنه “عقب اتفاق السلام والمصالحة المتمخّض عن محادثات الجزائر (تم توقيعه في 15 مايو، وفي 20 يونيو الماضيين) بين الحكومة المركزية وعدد من المجموعات المسلحة الناشطة في الشمال، والذي أقصى المجموعات المسلحة الإرهابية، يبقى الأمل قائما بشأن توحّد جميع تلك الفصائل السياسية رغم اختلافاتها حول مشروع واحد مناهض للإرهاب”، وهذا الخطر الذي يلقي بظلاله على دول الجوار يفرض حالة من التأهّب في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، لإحباط أي هجمات على أراضيها.

قلق بلدان أفريقيا جنوب الصحراء

تجلى هذا القلق، خلال قمة استثنائية لبلدان “مجموعة الـ5” التي افتتحت أعمالها، الجمعة الماضية، في العاصمة التشادية نجامينا، حيث قرر قادة بلدان المجموعة التي تضم كلا من بوركينا فاسو ومالي وتشاد والنيجر وموريتانيا، تشكيل قوة عسكرية مشتركة لمكافحة الإرهاب في المنطقة.

نجامينا قررت تعزيز التدابير الأمنية حول مواقعها الحساسة في العاصمة، وذلك على خلفية هجوم باماكو

وأعرب الرئيس الغيني، ألفا كوندي، عن نيته إغلاق المدارس القرآنية التي ترتدي فيها النساء النقاب مرجعا قراره إلى دواعٍ أمنية. ويندرج هذا القرار الذي لم يتحدّد بعد موعد دخوله حيّز التنفيذ، في إطار مكافحة الإرهاب الذي أصبح يستخدم النقاب كوسيلة للتخفي وتنفيذ الهجمات.

وفي صورة دخول القرار حيّز التنفيذ، فإنّ غينيا كوناكري ستنضم إلى لائحة بلدان غرب أفريقيا التي حظرت ارتداء النقاب لدواعٍ أمنية، من ذلك الكاميرون (في الساحل وأقصى شمال البلاد فقط) والكونغو برازافيل والنيجر والسنغال وتشاد.

وفي الوقت الذي تعيش فيه منطقة ديفا الواقعة جنوب شرق النيجر، والتي تعتبر من أكثر المناطق المستهدفة من قبل جماعة بوكو حرام حالة الطوارئ، أعلنت نجامينا مؤخرا، تمديد حالة الطوارئ التي سبق وأعلنتها في منطقة بحيرة تشاد.

كما قرّرت نجامينا، تعزيز التدابير الأمنية حول مواقعها الحساسة في العاصمة، وذلك على خلفية هجوم باماكو. وقال مصدر من قوات الدرك الوطني في تشاد، إن القوات الفرنسية التابعة لعملية برخان لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي والمتمركزة في نجامينا، “رصدت اتصالات بين إرهابيي بوكو حرام، على الحدود بين نيجيريا وتشاد، تكشف عن التحضير لهجمات تستهدف كلا من العاصمة السنغالية داكار ونجامينا”.

وأشار المصدر إلى أنه “تم التعرف على مواقع للمجموعة المسلحة قبل أن يتم قصفها باستخدام طائرات نيجيرية وتشادية”. وترى فرنسا في هجوم باماكو، والذي جاء تزامنا مع الاعتداءات الإرهابية على باريس، اختبارا لحربها ضدّ الإرهاب، وهي التي سبق وأرسلت 3500 جندي إلى شمال مالي في محاولة لإعادة الاستقرار بعد تمرد الطوارق عام 2012، استغله جهاديون على صلة بتنظيم القاعدة للسيطرة على أجزاء من الشمال. كما باتت التنظيمات الجهادية تتحدى فرنسا وتنسّق بنجاعة بينها، وتنقل الحرب من الصحراء إلى قلب العاصمة مقر الحكومة حيث تتواجد جالية فرنسية كبيرة، وأيضا القيادة العسكرية الفرنسية لعملية برخان.

7