احتكار السلطة يهدّد أحلام العثمانيين الجدد برئاسة تركيا

السبت 2014/06/07
أردوغان تحوّل من نموذج للديمقراطية إلى دكتاتور تلاحقه تهم فساد

سقط القناع الذي كان يرتديه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أمام الرأي العام في تركيا وعلى الساحة الدولية، مؤخرا بعد توالي فضائح الفساد التي هزت أركان حكومته، وحملات القمع التي طالت المعارضة السياسية والشعبية في تركيا ضده، ولم يشفع فوز حزبه الأخير في الانتخابات في تلميع صورته وإنقاذ سمعة إسلاميي تركيا وحزبهم الحاكم.

كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان محبوب المجتمع الدولي، لكنه لم يعد كذلك الآن، ما زال البعض يثني عليه أحيانا لقيادته تركيا نحو نمو اقتصادي مثير، وكبح جماح مؤسسة عسكرية لها تاريخ طويل من التدخل في السياسة الوطنية، والشروع في عملية سلام واعدة مع السكان الأكراد المتمردين في البلاد، غير أن إنجازات أردوغان يخيم عليها الآن ميله الواضح نحو الاستبداد. وعلى مدى السنة الماضية شرع في قمع شديد لمتظاهرين سلميين والخصوم السياسيين ومؤسسات إعلامية مستقلة.

أما التطورات الأسوأ على الإطلاق فبدأت في شهر ديسمبر الماضي، عندما طرد أردوغان الآلاف من النائبين العامين والقضاة ورجال الشرطة، وفرض حظرا على المواقع الإلكترونية كتويتر ويوتيوب، وكثف سيطرة الحكومة الخانقة على القضاء، ومنح مصالح المخابرات التركية مجالا أكبر لمراقبة المواطنين الأتراك، وكان الهدف من ذلك وقف تهديد مزعوم من حليف سابقا وخصم عنيد حاليا وهو فتح الله كولن المقيم في الولايات المتحدة.

ورغم تحصل حزب العدالة والتنمية (حزب أردوغان) على 43 بالمئة من الأصوات في الانتخابات البلدية التي أجريت في 28 مارس، متجاوزا بذلك 39 بالمئة التي تحصل عليها الحزب في الانتخابات البلدية السابقة وبالرغم من عدم بلوغ نسبة الخمسين بالمئة تقريبا التي فاز بها في الانتخابات العامة الأخيرة، فقد بدت المؤشرات تؤكد أن البلاد تسير بعيدا عن الديمقراطية وحكم القانون مع فترة جديدة من حكم إسلاميي تركيا.


من السلاطين العثمانيين إلى أتاتورك


لفهم الحاجة إلى إعادة التوازن المؤسساتي المفقود حاليا في تركيا بعد سيطرة وتغلغل حزب العدالة والتنمية في مؤسساتها، يجب فهم كيف بدأت جذور المؤسسات التركية الحالية في الإمبراطورية العثمانية، فقد كان امتداد الدولة العثمانية محدودا بأشكال متعددة، لكن السلطة السياسية الفعلية التي وجدت (منظمة بالأساس حول الغزو العسكري والتوسع) كانت مركزة في أيدي نخبة ضيقة من الإداريين والعسكريين.

إلى جانب النخبة هناك ما يسمى بـ”Reaya” وتعني “الرعية”، وبوصفهم فاعلين اقتصاديين كان هؤلاء الرعايا يتمتعون بحقوق قليلة جدا ولم تكن لديهم خيارات للمشاركة السياسية. وبسبب محدودية حقوق الملكية الخاصة لم تنشأ طبقة من مالكي الأراضي والتجار المستقلين. كما أن المؤسسات الاجتماعية كانت مهيكلة بشكل يهدف إلى تقليل القيود على سلطة السلطان والدولة المركزية. ومن المفترض أن تسمح الشريعة الإسلامية بوجود مؤسسة دينية (العلماء) يتمثل دورها في تقييد سلطة الحكام، لكن الإمبراطورية العثمانية أدمجت العلماء في بيروقراطية الدولة. وبذلك كان السلطان أيضا يمثل أعلى سلطة دينية.

احتجاجات العام الماضي أوضحت أن الشباب أصبح أكثر تعطشا للمشاركة السياسية والديمقراطية

ثم أعلن عن الجمهورية التركية رسميا في سنة 1923 من قبل مجموعة من الضباط العسكريين الشبان بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وبقيام الجمهورية ابتعدت تركيا بشكل أكثر راديكالية عن الإمبراطورية العثمانية، إذ ألغى الحكام الجدد الملكية، وعصّروا بيروقراطية الدولة، ووضعوا تنظيمات للدين الذي رأوا أنه يمثل عائقا أمام خططهم، وعزموا على تحويل تركيا إلى بلد مصنع. لكن بقي جانب واحد من النظام العثماني لم يتغير ألا وهو بقاء مؤسسات الدولة والإدارة تحت سلطة النخبة الحاكمة، وهم حينها الإطارات العليا في حزب الشعب الجمهوري التابع لكمال أتاتورك. ومرة أخرى شعرت النخبة بعدم الحاجة إلى الدعم من القاعدة العريضة، ففي الواقع كانت النية فرض إصلاحات أتاتورك بالقوة على شعب كان يُعتقد – على صواب – بأنه يعارض الكثير منها.

الهيمنة العسكرية والسياسية على حزب الشعب الجمهوري واستعداد الحزب لاستعمال القوة الفظة عند الضرورة سمحا لمشروع الكمالية بالنجاح تحت زعامة الحزب الواحد إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. بيد أن التصدعات كانت قد بدأت تظهر. بعد أن أسس أعضاء سابقون في حزب الشعب الجمهوري “الحزب الديمقراطي” سنة 1946 وكانوا يأملون في الاستفادة من السخط الشعبي بسبب سياسة العصا الغليظة التي انتهجها الحزب. وفي سنة 1950 وصل الحزب الديمقراطي إلى الحكم بعد الفوز الكاسح في الانتخابات بفضل الدعم الذي لقيه من مدن المحافظات والأرياف، من حيث يأتي الكثير من نوابه وبالتأكيد مناصريه الذين لهم خلفية مرتبطة بالتجارة الصغرى خارج إطار الدولة. (على عكس الخلفية العسكرية والبيروقراطية لغالبية النواب في حزب الشعب الجمهوري).

في 27 مايو 1960 استيقظت تركيا على أول انقلاب في سلسلة انقلابات متعددة، وهو الأمر الذي وضع نهاية للتجربة الوليدة مع الديمقراطية، وعمد الجيش بسرعة إلى شنق عدنان مندراس زعيم الحزب الديمقراطي.

وفي الأربعين سنة التالية ظهر الكثير من الفاعلين السياسيين على الساحة التركية بما في ذلك ثلة من المجموعات اليسارية العازمة على القضاء على الدولة. لكن استمر الخلاف بين حزب الشعب الجمهوري، الذي يركز على دور الدولة، والأحزاب الأكثر تدينا (التي لبست عباءة الحزب الديمقراطي) حتى بعد أن وافقت هذه الأحزاب الأخيرة على العمل مع الجيش، وعموما تفادت تحدي المبادئ الجوهرية للدولة الكمالية (وفي بعض الأحيان ربطت علاقات أوثق مع نخب الأعمال الموجودة).

وكان حزب العدالة والتنمية هو من نسخ وصفة الحزب الديمقراطي القائمة على الشعبوية الدينية الممزوجة باقتصاد السوق الحرة. وعندما فاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية لسنة 2002 تم رسم خطوط المعركة مع النخبة الكمالية.

ركز حزب العدالة والتنمية جهوده على احتكار السلطة السياسية وانبرت نخبه للسيطرة على إدارة الدولة والشرطة والقضاء


ثورة حزب العدالة والتنمية


في شهر أبريل من سنة 2007، وبعد أن تحكم الحزب في الرئاسة، قام الجيش، الذي كان قد انقلب ضد ثلاث حكومات منتخبة بين سنتي 1960 و2002، بنشر مذكرة على شبكة الإنترنت يهدد فيها بانقلاب على حكومة حزب العدالة والتنمية. وفي إجراء منذر بالخطر، شرعت المحكمة الدستورية في إجراءات تهدف إلى حل الحزب على أساس أن مظهره الديني يتعارض مع دستور أتاتورك.

غير أن سنة 2007 ليست سنة 1960، إذ لم يكن حزب العدالة لديه شبكات اجتماعية عميقة فحسب، خاصة في البلديات التي يديرها سلفه حزب الرفاه، بل كان قد سيطر على أجزاء واسعة من الادارة والشرطة. وفي الوقت نفسه كانت سمعة الجيش داخل المجتمع التركي في أدنى مستوياتها على الإطلاق، وترجع الخسارة، التي مني بها الكماليون (نسبة إلى كمال أتاتورك)، إلى رفض عامة الأتراك الامتثال لتدخل الجنرالات، وبذلك انتقلت السلطة بنجاح من النخبة الكمالية إلى حزب العدالة والتنمية.

في غياب ضغط منسق من المجتمع المدني التركي الذي ما زال يعاني من الضعف، ركز حزب العدالة والتنمية جهوده على احتكار السلطة السياسية، فعوضا عن تعزيز استقلالية المؤسسات، انبرت نخب الحزب للسيطرة على إدارة الدولة والشرطة والقضاء، ثم حاولت استخدام هذه المؤسسات لغاياتها الذاتية.

وكان هذا المسار يحاكي نمط التطور السياسي الذي حدث في الكثير من المجتمعات في فترة ما بعد الاستعمار، حيث أحكم الزعماء السياسيون الجدد السيطرة الحاسمة على الدولة بعد أن رحلت القوى الاستعمارية على عجل. ومثل أسلافه، لم يتردد أردوغان في أن يتباهى بسلطته، وبدل أن يقوم بتجاوز الاستقطاب في الفترة الكمالية قرر أن يستغله، إذ صرح بأن تركيا ما زالت وسط معركة وجودية بين الأتراك السود (الضعفاء، والأقل تعلما، والجماهير المحافظة) والأتراك البيض (النخب الكمالية والمتعلمة والتي تعتمد نمط الحياة الغربية). وصرح قائلا، “أخوكم طيب ينتمي إلى الأتراك السود”.


ديكتاتورية أردوغان


بالرغم من الاستبداد والاستقطاب في الحياة السياسية التركية إلا أنه ليس هناك داع لليأس. فمن وجهة نظر ديمقراطية كانت الأمور أسوأ بكثير تحت حكم النخبة الكمالية (خاصة على إثر الانقلاب العسكري لسنة 1980) عندما أفرغت الساحة التركية من النشاط السياسي بشكل واسع، فأمام حكم عسكري متحالف مع الشركات التجارية الكبرى لم تظهر أغلب المعارضة الكامنة أي صمود.

القمع يتجدد خلال المسيرات السلمية للأتراك في الذكرى السنوية الأولى لأحداث منتزه «غيزي»

أما اليوم فحزب العدالة والتنمية يوجد في وضعية مختلفة تماما. وبالفعل زرع الحزب بذور تفككه بتعبئة المجتمع المدني التركي في بداية صعوده إلى الحكم، فحتى أردوغان نفسه في السنوات الأولى من حكمه شجع الحوار المفتوح في المجتمع، وإن كان ذلك لمحو بعض الخطوط الحمر (حول الأكراد، والأقليات، ودور الجيش في المجتمع، والحرية الدينية، على الأقل لمناصريه السنّة) التي فرضتها سابقا النخبة الكمالية.

يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يقلّد سابقيه من الكماليين، لكن من غير المحتمل أن يكون المجتمع التركي طيعا مثلما كان في السنوات السابقة، إذ غدا الشباب الحضري في البلاد أكثر ليبرالية وأكثر استقلالية وأحسن اطلاعا مما كان من قبل (تركيا من بين البلدان الأكثر استخداما لفيسبوك وتويتر)، فضلا عن أن احتجاجات العام الماضي أوضحت أن الشباب أصبح أكثر تعطشا للمشاركة السياسية والديمقراطية.

والقضاء الذي استلهم من المجتمع المدني التركي المستيقظ حديثا لم يعد يقنع بأن يكون منقادا، ومن ذلك أن رفضت المحكمة الدستورية بعض القوانين والمراسيم القمعية التي أصدرها حزب العدالة والتنمية.

وبالرغم من أن الدعم لأردوغان بين الفقراء في المدن والأرياف وقطاعات واسعة من الطبقة الوسطى يبدو متينا اليوم، فإن ذلك يعزى إلى النمو الاقتصادي المتواصل وتمتيع الأقل حظوة بالخدمات العمومية. ومن المتوقع أن تنتهي رحلة المتعة عند أردوغان إذا تراجع الاقتصاد (وهذا ممكن، إذ أن النمو في تركيا على مدى السنوات الستة الماضية ارتبط بمستويات غير مستدامة من الاستهلاك المحلي والعجز التجاري). في تلك الحالة من المحتمل أن تتوسع قاعدة المعارضة، وستشرع في النهاية في المطالبة بمؤسسات تمثل كل البلاد بشكل عادل.

مثل أسلافه، لم يتردد أردوغان في أن يتباهى بسلطته، وبدل أن يقوم بتجاوز الاستقطاب في الفترة الكمالية قرر أن يستغله

وهذا لا يقصد منه أنه يجب النظر إلى الانحدار الأخير في الحوكمة عبر نظارات وردية، فحزب العدالة والتنمية يواصل قمع أي معارضة، وبالتأكيد سيحاول تكميم المحكمة الدستورية، لكن جهود الحزب لاحتكار السلطة يجب ألا تكون مفاجئة إذا وضعناها في سياقها التاريخي، فحتى بعد مضي خمسين عاما ما زالت عملية بناء مؤسسات سياسية شمولية في الكثير من المجتمعات ما بعد الاستعمار مستمرة، واحتاجت فرنسا أكثر من 80 عاما لبناء الجمهورية الثالثة بعد سقوط الملكية سنة 1789.

إن عملية إعادة توازن المؤسسات لم تكن عملية سهلة، وليفشل حزب العدالة والتنمية في النهاية في محاولات احتكار السلطة يتوجب على الناس العاديين والمجتمع المدني أن يحتجوا بصوت عال، منذ زمن طويل والسياسة في تركيا عبارة عن رياضة نخبوية، والنخبة – سواء كانت الجيش أو الطبقة البيروقراطية أو الشركات الكبرى أو حزب العدالة – سعت وراء مصالحها الخاصة وليس لغاية مصالح الشعب، ولن يتغير ذلك إلا متى ضمت السياسة قطاعا واسعا من المجتمع. ويبقى بارق الأمل في الاضطرابات الحالية هو أن تركيا خطت خطى مهمة نحو تحقيق ذلك بالتحديد.


* عن مجلة "دراسات دولية"، ترجمة منصف الخروبي

6