احتكار القداسة

السبت 2014/10/25

لا يكتفي الاحتكار بالجانب الماديّ، الذي يروم الربح عن طريق نوع من التحايل الذي يحمل في طيّاته الاستغلال والابتزاز، ويكشف عن استعداء مبطّن من قبل المحتكر لغيره، وقد يكون المحتكرون ممّن يفترض بهم جواره أو أهله، بل يتعدّى ذلك إلى الحالة المعنويّة، ويكتسب شراسة مضافة ومضاعفة، وذلك حين يتمّ تغليفه بالقداسة المسبغة عليه، لغايات تدور في فلك الامتيازات الماديّة والمعنوية.

هل نجد أنفسنا في مواجهة وصدام مع الاحتكار متعدّد الجنسيّات والعابر للحدود، كحالة الشركات المتعدّدة - المتعدّية الجنسيّات، والتي تتّسم بقوّتها على تشكيل نفوذ عابر للحدود، لتشكّل طوقا يتحوّل إلى قيد محكم يستهدف النيل من المختلفين بحجج وذرائع دينيّة أو مذهبيّة، ليكون المنطلق الرئيسي هو زعم امتلاك الحقيقة والدفاع عن العدالة والقداسة دائرة مطوّقة بشعارات حاجبة لحقيقة الأهداف المبيّتة.

يترافق التهديد مع حكاية أساطير ملفّقة لتبرير سلوكيات الاحتكار التي تتستّر بستار القداسة في حين أنّها تخفي دناسة الغايات المتمثّلة في الالتزام بالقاعدة العدوانيّة التي ترى أنّ الغاية تبرّر الوسيلة. ويكون الجهل والتخلّف والتجهيل من مقوّمات تذكية ذهنية الاحتكار.

احتكار القداسة نفق لدخول غابات العنف ودوّامات الاحتراب المستعرة التي تكتسب مبرّرات تجدّدها من داخلها، وتنبني على سلسلة من الجرائم التي تفرض نفسها وتتلو بعضها، فلا يبقى ركن من دون تلغيم أو تأثيم. ومن هنا يشعل الاحتكار شرارة الثأر ويرشّ الملح على الجروح دوما، يلهب الصدور بالضغائن، ويدفع إلى اتّخاذ العنف غاية لا وسيلة فقط.

يمكن توصيف ذلك أنّه بؤس يستدعي بؤسا ويفرضه. هكذا تدور السلسلة وتمتزج النهايات بالبدايات و”تضيع الطاسة”، حسب المثل الشعبيّ. ويكون في تضييع الجوهر تعتيما على المخبوء الذي يخفي بدوره مطامع ومصالح الفئات الحاكمة، التي لا تلتزم بشرعة أو شريعة.

تكشف ذريعة الدفاع عن المقدّسات الرائجة، والتي تتغذّى على جذور ضاربة في التاريخ، أبعادا مدمّرة حين تلوذ بتكفير الآخر المختلف وتجريمه وتخوينه، تمهيدا لهدر دمه، باعتباره عدوّ الله، وعدوّ المقدّسات، بحيث يكون في احتكار القداسة جانب من احتكار الله عزّ وجلّ، والنطق باسمه والزعم بمحاربة أعدائه وقتلهم. ما يتسبّب في تشويه القداسة والمقدّسات حين تمّ ربطهما بمنافقين يتستّرون بهما لتمكين نفوذهم وتمرير مآربهم الخبيثة.

كاتب من سوريا

17