احتلال شعري في الأردن وسقوط ثقافي كبير

الثلاثاء 2014/06/10
جانب من الندوة الصحفية التي تم خلالها الإعلان عن انطلاق مهرجان جرش لهذه السنة

لا أعرف كيف يمكن للشاعر أن يزاحم الآخرين في محاولة لعرض بضاعته الشعرية بأسلوب مبتذل وغريب، وإقحام رأسه في كل ناحية وزاوية من أجل الاستيلاء على جميع المساحات بـ”واسطة” علاقاته العامة. لكأنه بائع متجول أو صاحب “بسطة” يضعها في منتصف الطريق ليلفت انتباه الجميع إليها. تاركا قصيدته تقف في الخلف حائرة بين التقاط المعنى ولهاث كاتبها وجريه نحو المنابر. ترى ألا يمكن في هذه الحالة اعتبار الشاعر مطربا أو راقصا يظهر في كل مناسبة ليذكّر جمهوره به ويقول لهم: “أنا هنا”!

قد نصل إلى هذا الواقع عندما نرى عددا أو إن صح التعبير «عصابة» من الشعراء يحتلّون بأسمائهم -التي ملّها المتابع وقارئ الصحف والأخبار الثقافية- جداول البرامج والمناسبات الشعرية الصغيرة منها قبل الكبيرة.. يوما بعد يوم وعاما بعد عام.


حفرة السقوط


يأتي برنامج جرش الشعري ليكون خير دليل على هذا “الاحتلال” الذي أفسد أخلاق الشعر قبل أن يفسد بهجة المتلقي والمتابع للحركة الشعرية الأردنية، وليضعنا أمام حالات سطو صريحة، ومصادرة تنفذها “رابطة الكتاب الأردنيين” التي تشرف على اختيار أسماء الشعراء في أمسيات مهرجان جرش بعدما نالت هذا الامتياز منذ ما يزيد على عامين من وزارة الثقافة الأردنية، الشريك “المعنوي” في ما يحدث.

هناك عصابة لا تخجل من الإعلان عن نفسها كل عام، تظهر لتحاصر الشعر وتحشره في مساحة ضيقة

لماذا نقول ذلك؟ لأن المتابع للدورتين السابقتين سيقف عند ملاحظات كثيرة وغير بريئة أبدا، تسهم في تشويه مكانة الشعر الأردني وتحفر له حفرة السقوط الذي لا رجعة منه. وبعد متابعة ثلاث دورات من مهرجان جرش وهنا نتحدث عن أمسيات الشعر – بعيدا عن أي شيء آخر له علاقة في المهرجان- يجدر تسجيل بعض النقاط التي تدل على السقوط الكبير المتحقق بفضل الاحتلال الذي يمارسه شعراء جرش ومن يقف خلفهم وأمامهم.


محاصرة الشعر


أولى هذه النقاط، تتمثل في تعهد الرابطة أن تقوم بانتقاء أسماء شعرية جديدة تمثل حيوية المشهد الشعري في الأردن وتجدده الدائم، والابتعاد عن تكرار الأسماء. وهذا ما لم يحدث عبر ثلاث دورات متتالية! ويستطيع الواحد منا أن يراجع أسماء الدورة السابقة والتي قبلها ليرى بنفسه كم من شاعر تم إدراج اسمه من جديد، ما يعني واحدا من اثنين: أن الساحة الأردنية فقيرة شعريا «كما ونوعا».

أو أن هناك عصابة لا تخجل من الإعلان عن نفسها كل عام، تظهر لتحاصر الشعر وتحشره في مساحة ضيقة، يحكمها المزاج الحزبي والفكري والشللي للقائمين على البرنامج، وباعتراف بعض الموجودين في مكاتب صنع القرار داخل الرابطة، أقصد قرار اختيار الأسماء الشعرية المشاركة، فإن هناك ضغوطا تمارس من أجل فرض بعض الأسماء، وإن كانت مكررة، وهذا لا يدع مجالا للشك أن العمل الثقافي داخل الرابطة مرتبط بمزاجية وعقلية المسؤولين فيها بعيدا عن الانحياز للإبداع والموضوعية، وهذا الاعتراف موجود وموثّق.

أما النقطة الثانية فهي تكرار الأسماء الأردنية والعربية يعني أن هناك من يريد فرض تجارب هؤلاء الشعراء “المشاركين” على ذائقة المتلقي، أكان مهتما بالشعر أم شاعرا صاعدا يريد الانفتاح والاطلاع على تجارب الآخرين.

وهذا ما لا يمكن أن يتحقق له في ظل السياسة الحالية للرابطة، مع أن ذلك يعدّ واحدا من أبسط حقوق هذا الشاعر أو المتلقي، والثالثة تُظهر هذه التصرفات من قِبل المثقف زيف شعاراته الداعية إلى التعددية والمساواة التي يُطالب بها السياسي ليل نهار، وإذا كان لا خير في المثقف ففي من يكون الخير إذاً؟!


إنجازات وهمية


المتابع للمهرجان سيقف عند ملاحظات غير بريئة تسهم في تشويه مكانة الشعر الأردني وتحفر له حفرة السقوط

هذا إلى جانب اعتذار عدد من الشعراء عن المشاركة هذا العام، ونخص هنا اعتذار الأسماء الشعرية الوازنة، دليل على ما وصل إليه مهرجان جرش من هبوط في حجمه ومكانته بعد استيلاء الرابطة عليه، فالحقيقة تفيد أن هذا المهرجان لم يعد يغري الشعراء “الحقيقيين” للمشاركة فيه أو حتى حضور أمسياته. بالإضافة إلى عرض بعض الأسماء الشعرية الشابة عبر حضور خجول لها ما هو إلا محاولة لإخضاع المهرجان لعمليات ماكياج مزيفة يراد بها أن تُبعد الشبهات والادعاء بتنوع واختلاف التجارب والأسماء المشاركة .

من جهة أخرى، لا تتحمل الرابطة وحدها مسؤولية ما يحدث، فشهية بعض الشعراء وطمعهم بتحقيق إنجازات “وهمية” أحد أبرز الأسباب التي تساند الرابطة في فرض هذا المشهد.

لا نسرد هذه الملاحظات طمعا في مكاسب، وهذا ما تدركه الرابطة والقائمون عليها، بل حرصا على أن لا نكون شياطين الخَرس، مثلما حدث مع عدد لا بأس به من الشعراء الذين اكتفوا بالصمت، وأثثوا مشاريعهم بالهوان والامتثال للأمر الواقع.

وأخيرا كان لا بدّ من الكتابة مجددا عن الحالة الشعرية في الأردن التي يقف خلف أسوارها شعراء حقيقيون لا يلتفت إليهم أحد، لأنهم ليسوا على مقاس فكر أو حزب أو توجه المسؤولين عن اتخاذ القرار، ولا علاقات عامة تربطهم بهم عبر حبال مطاطية للقفز من فوقها والرقص على إيقاع حركاتها.

14