احتمالات التصعيد الإيراني بعد الاتفاق النووي

السبت 2015/04/11

بعد إطلاق “عاصفة الحزم” ضد جماعة الحوثي في اليمن، ساد الترقب بانتظار ردة الفعل التي ستبديها إيران، الداعم الأبرز للحوثيين. لكن صدمة الغارات الجوية المباغتة والمكثفة أربكت طهران بصورة واضحة، بالتزامن مع انشغال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف طيلة الأسابيع الماضية بمفاوضات لوزان حول برنامج بلاده النووي، ما أسفر عن موقف إيراني مهادن ومبهم إلى حد ما.

لكن النظام الإيراني يتجه للتصعيد شيئا فشيئا، إذ عاود ظريف نشاطه الدبلوماسي وأطلق تصريحات ترفض القصف الجوي “للشعب اليمني” على حد تعبيره، كما التقى بنظيره الباكستاني سرتاج عزيز في محاولة لإبعاد باكستان عن تحالف عاصفة الحزم، بالتزامن مع ترويجه لخطة سياسية تتضمن وقف القصف الجوي وإطلاق النار من دون الإشارة إلى انسحاب الحوثيين من المناطق التي احتلوها، وخصوصا من العاصمة صنعاء.

كما تواصل إيران دعم الحوثيين من دون أن تقر بذلك، فتصريحات الناطق باسم عملية عاصفة الحزم أحمد العسيري بأن إيران “تدرب مقاتلين حوثيين” دفعت بالأخيرة إلى استدعاء القائم بالأعمال السعودي في طهران بسبب “اتهامات لا أساس لها من الصحة”، حسب وزارة الخارجية الإيرانية. تبدو طهران حريصة على عدم تكريس صورة تقرن دورها بالصراع المسلح وما آلت إليه الأمور، على الرغم من أنها تواصل، أيضا، إرسال إشارات التصعيد من قبيل توجيه سفنا حربية إلى خليج عدن ومضيق باب المندب بذريعة صون المصالح الإيرانية. وهو ما يعزز من غموض التوقعات المرتبطة بدور إيران في المنطقة، بعد توقيع الاتفاق النووي. هل تقرر لعب دور “عقلاني”، أم تواصل توسيع نفوذها بحروب جنونية، مستفيدة من تدفق الموارد الاقتصادية المحتجزة بعد رفع العقوبات؟

ربما لا يجب استباق الأحداث، إذ أن الصفقة النووية مع طهران لم توقع بنسختها النهائية بعد. إذ سبق وأن وقعت طهران اتفاقا مبدئيا في العام 2009 تتخلى بموجبه عن مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب، لكن وبمجرد عودة المفاوض الإيراني إلى بلاده، تراجعت طهران عن الصفقة.

ويبدو واضحا اليوم بأن بعض الشكوك التي تحيط بإتمام الصفقة النووية، ووجود جولة مفاوضات حاسمة بين إيران والغرب قريبا، تعمل ككابح مؤقت للجنون الإيراني في اليمن، والذي برز جليا طيلة السنوات الماضية في العراق وسوريا.

ولكن، حتى في حالة التوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران، فقد هدّأ الرئيس الأميركي باراك أوباما من مخاوف أولئك الذين توقعوا وجود “صفقة شاملة” تتضمن التفاهم على دور إيران في المنطقة. وهو تفاهم قد يرفع من وتيرة تعاونها مع “الشيطان الأكبر” ما يجعلها تحظى بغطاء دولي لدورها التوسعي، كما ظهر في العراق بدعم أميركا، بصورة أو بأخرى، للميليشيات التي أسستها طهران.

حتى الآن لا توجد مؤشرات هامة تقول بوجود توافق إيراني أميركي “شامل” على قضايا المنطقة. ربما يناقش قسم من تلك القضايا في الفترة المتبقية قبل التوقيع على الاتفاق النهائي. مع ترجيح أن لا يتم الاتفاق على أي مسألة جوهرية، فالمهم بالنسبة لأميركا هو تقييد قدرات إيران النووية بشكل كبير وقد فعلت ذلك، أما ما يهم إيران فهو رفع العقوبات وتحرير الفوائض الاقتصادية المحتجزة، لا لإنعاش حياة الشعب الإيراني فقد كان هنالك وقت تحوز فيه إيران على فوائض خيالية وقبل هبوط أسعار النفط ولم تفعل، بل لدعم سلطة الفئات الحاكمة وتوسيعها. إنها فرصة لزيادة التوغل الإيراني في قضايا المنطقة، ولزيادة دعم الحلفاء.

أما في حال قررت إيران زيادة دعم حلفائها في العراق وسوريا واليمن، فمن غير المرجح أن يؤثر ذلك على المشهد العسكري وعلى توازن القوى، وبالتالي على نفوذ إيران في تلك البلدان. ذلك أن الوقائع تشير إلى أن الدعم الإيراني للحلفاء لم يتوقف للحظة واحدة، وأن الأزمات الاقتصادية التي تعصف بدول ذات حكم ثيوقراطي مثل إيران لا يكون لها أثر مباشر وكبير على دعم الحلفاء من دول وميليشيات طائفية.

ليس نقص الموارد الاقتصادية في إيران هو ما يثني نظام بشار الأسد والميليشيات الطائفية في العراق وحزب الله في لبنان عن الحرب التي يخوضونها منذ سنوات، بل حصول تعديل جدي ومؤثر في قوة الأطراف التي تواجههم في تلك البلدان، وفي إرادة الدول التي تتخوف من تمدد نفوذهم.

من دون حدوث ذلك التعديل، فإن إمكانية تغيير مقاربة إيران وحلفائها لتمدد مشروعهم، بحيث تصير مقاربة تعتمد وسائلا سياسية بدلا من وسائل السحق العسكري المعتمد لديها اليوم، تبقى ضعيفة، ناهيك عن حظوظ هزيمتهم. بالمقابل، فإن حدوث ذلك التغيير في موازين القوى سوف يجبر إيران على الرضوخ لتسويات مختلفة، وذلك مهما تدفقت عليها الأموال بعد رفع العقوبات الاقتصادية.

كاتب فلسطيني سوري

8