احتمال فشل الاتفاق النووي والسيناريوهات الكارثية

السبت 2015/09/05

كان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد أعلن منذ فترة وجيزة عن رفضه لتصويت البرلمان الإيراني على الاتفاق النووي، لأن ذلك من شأنه تقوية موقف الدول الست الراعية للاتفاق لأن برلماناتها لم تصوت عليه. روحاني كان يعرف أن تصويت البرلمان من شأنه أن يسحب منه، ومن فريقه، القدرة على بلورة مفاعيل الاتفاق في إطار التخفيف من إحكام قبضة المنظومة الحاكمة للولي الفقيه وجماعة المحافظين على كامل القرار في البلاد. خامنئي حسم الأمور في هذا الصدد ووضع مصير الاتفاق النووي برمته في المجهول، عبر مطالبته بتصويت البرلمان على الاتفاق، وربط إقراره بالرفع التام للعقوبات، وتهديده بأنه في حال لم يتم رفع كافة العقوبات، فإن بلاده ستقوم بتعليق نشاطاتها النووية فحسب ولن تلغيها.

تتزامن تصريحات خامنئي مع زيارة الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز إلى الولايات المتحدة، وهي زيارة يرجح أن تنتج نوعا من تفاهم سعودي أميركي حول كافة الملفات الكبرى، والتي يحتل موضوع التدخل الإيراني في المنطقة أعلى سلم أولوياتها.

ذهب الملك سلمان للقاء أوباما بعد أن أثبت التدخل السعودي العربي في اليمن قدرته على تغيير المعادلة وإجبار إيران على الانكفاء، وبعد أن اقتنعت أميركا أن محاربة داعش في العراق لا يمكن أن تتم إلا من خلال تسليح العشائر السنية والمقاتلين الأكراد، وهو الخيار الذي وقفت إيران بشدة في وجهه. وكذلك تأتي هذه الزيارة بعد ظهور حركة شعبية عراقية تنادي بخروج إيران من البلاد، وحركة شعبية لبنانية قرأ حزب الله خطرها عليه فراح يهاجمها متهما إياها بالتبعية لأميركا. عمد الحزب كذلك إلى استعادة الصراع مع “الحريرية” من خلال إعادة تظهير خطابه الذي يحمل فيه المسؤولية عن الفساد إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري وحكوماته المتعاقبة منذ عام 1992.

كان لافتا في هذا السياق دخول مجلس الأمن على خط الأزمة اللبنانية، وإدراج التطورات في لبنان خارج جدول الأعمال بناء على طلب الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ. كاغ اعتبرت في تصريحاتها أن القضية المركزية في لبنان هي الجمود السياسي وخطورة فقدان الثقة بالحكم، ودعت السياسيين إلى الانفتاح على مجموعات المجتمع المدني، واعتبرت أن الحل يبدأ بالخروج من الفراغ الرئاسي وانتخاب رئيس للجمهورية دون تأخير إضافي.

يسجل كذلك انفراط عقد المجموعات التي تشكل الحراك الشعبي في لبنان إثر خلافات حول أجندة العمل، حيث أن مجموعة “طلعت ريحتكم” كانت قد دعت إلى حصر المطالبة بالشؤون المعيشية، في حين تصر المجموعات الأخرى يسارية الطابع من قبيل جماعة “بدنا نحاسبكم” ومجموعة “عالشارع″ على رفع سقف المطالب، وربطها بالتغيير السياسي والدعوة إلى التظاهر تزامنا مع إطلاق الحوار في 9 سبتمبر.

الجنرال ميشال عون دعا إلى تظاهرة حاشدة يوم الجمعة الرابع من سبتمبر بعد أن عبر عن رفضه للحراك الشعبي واتهمه بسرقة شعاراته، كما دعا إلى انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب.

يسعى عون، ووراءه حزب الله، إلى تصوير نفسه كأنه الحامل الرئيسي للمطالب الشعبية والمدافع الأهم عن حقوق المسيحيين خاصة، واللبنانيين عامة. ويحاول ربط الملف المطلبي بملف الانتخابات الرئاسية، بالقول إن انتخابه رئيسا من شأنه حل أزمة الفراغ الرئاسي والأزمات المطلبية والمعيشية في آن.

يرجح أن يدعم حزب الله الجنرال ويساعده ويرفده بالحشود بغية تقزيم الحراك الشعبي، وإظهاره في هيئة غير القادر على تمثيل الشعب اللبناني. كذلك يرجح أن يعمد الجنرال ومن معه إلى رفع العناوين المطلبية ذاتها التي ينادي بها المتظاهرون مع إضافة اللمسة العونية الخاصة عليها.

تقول كل هذه السياقات إن الأمور ذاهبة في اتجاه تصعيد كبير في كل المنطقة، وأن لبنان ليس سوى نقطة تجميع لكل الصراعات. لا يبدو أي سيناريو مستحيلا، فالتقسيم بات واردا في سوريا والعراق خصوصا بعد الفتح الأوروبي غير البريء لأبواب اللجوء أمام أعداد كبيرة من السوريين الذين لا ترجح عودتهم إلى سوريا، لا مع بقاء النظام ولا بعد سقوطه.

من ناحية أخرى تشير مواقف خامنئي المستجدة بشأن الاتفاق النووي، إلى أن إيران ربما تكون قد رأت أن هذا الاتفاق بصيغته الحالية التي لا تتضمن الرفع الكامل للعقوبات، من شأنه حرمانها من موارد مالية كبيرة تصل إليها مباشرة، ما سيحرمها تاليا من استغلال جيوشها الميليشوية التي تغذيها في كل المنطقة وتمويلها، وهو ما لا تستطيع السماح به.

لا ينتظر من إدارة أوباما في ظل الاعتراض الكبير على تمرير الاتفاق النووي في الكونغرس أن تعمد في اللحظة الأخيرة إلى إجراء تعديلات عليه، وهو ما لا تحتمله أساسا لا في صيغته ولا في نوعه.

نحن في مرحلة الكباش الدموي إذن، حيث سيحاول كل طرف الحصول على أكبر قدر من المكاسب. إذا لم نذهب إلى التأكيد على أن الاتفاق النووي بصدد الفشل، فإن هذا التصعيد من قبل خامنئي في شأنه، يفترض أنه سواء أقر بصيغته الحالية أو تم تمريره مرفقا بصفقة غير معلنة، فإن النزوع الذي لا يمكن إخفاؤه هو الرغبة الإيرانية في الاستثمار في الخراب.

لبنان هو الحلقة الأضعف في جغرافيا الخراب الإيرانية. ولا يبدو الإيعاز لرئيس مجلس النواب، نبيه بري، بإطلاق الحوار تزامنا مع كل هذه التطورات سوى محاولة لذر الرماد في العيون، ريثما يستكمل حزب الله عملية الإجهاز على ما تبقى في البلد من أمن واقتصاد وشأن عام.

ملامح هذا التوجه عند الحزب بدأت تظهر في سعيه المحموم لضرب الحراك الشعبي وتفخيخ العناوين المطلبية، والدعم المفتوح من ناحية أخرى للتحركات التي تطرح مطالب سياسية كبرى وغير ممكنة، من شأنها التمهيد لتفجير كبير يشكل عنوان الحراك الإلهي الإيراني القادم في لبنان والمنطقة.

كاتب لبناني

8