احتمال هروب المالكي من بيته الشيعي

الأربعاء 2014/05/14

لا تصمد معظم التحالفات السياسية العراقية طويلا لأنها قائمة على نزعات طائفية لا تستطيع أن تنظر خارج حدود مكوّنها المذهبي، ولا تفلح في أن تلبس العباءة الوطنية التي تستطيع أن تضم كل القوميات والمكونات الإثنية والدينية والمذهبية. ورغم أن “الائتلاف الوطني العراقي” الذي أسسه إبراهيم الجعفري عام 2005 ولا يزال يقوده حتى الآن هو أكبر التحالفات السياسية التي ترتدي العباءة الدينية دون أن تلتزم بها، لكنه يتعرّض، بين آن وآخر، إلى اهتزازات وانشقاقات قد تهدد هذا الائتلاف أو “التحالف” بالانهيار.

يضم الائتلاف الوطني العراقي أكثر من أربعين حزبا ومنظمة وحركة سياسية يجمعها الهاجس الديني الطائفي، ويُغلِّب بعض قادتها، مع الأسف، مصلحة الطائفة على مصلحة الوطن. وهؤلاء القادة الطائفيون هم الذين دأبوا على تمزيق النسيج الاجتماعي الوطني لكنهم اصطدموا بحدة المقاومة الشعبية العراقية التي أفشلت غير مرة مثل هذه المحاولات السقيمة التي تعوِّل على الجهلة والموتورين والسذّج من الناس الذين لا يعرفون كم ثلث الثلاثة!

لم يحصد حزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه نوري المالكي أكثر من (12) مقعدا في انتخابات 2005، وهذا هو الحجم الحقيقي له، لكنه ما إن وصل إلى سُدة الحكم حتى تضاعف العدد بضع مرات لأسباب يعرفها المواطن العراقي قبل غيره، وحينما سيغيب هذا الحزب عن موقع الصدارة في السلطة ستنحسر بالضرورة قائمة المصوتين له، وربما تعود مقاعده البرلمانية إلى ذات العدد الذي انطلقت منه.

لابد من الإشارة إلى أن الائتلاف الوطني العراقي يضم بضعة أحزاب رئيسة ومؤثرة في المشهد السياسي العراقي الراهن وعلى رأسها حزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه المالكي، وحزب الدعوة الإسلامية- تنظيم العراق الذي يقوده هاشم الموسوي، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يرأسه عمّار الحكيم، والتيار الصدري الذي يتزعمه مقتدى الصدر، وحزب الفضيلة الذي يقوده محمد موسى اليعقوبي.

إضافة إلى بعض الأحزاب والحركات السياسية المتوسطة والصغيرة حجما وتأثيرا مثل المؤتمر الوطني العراقي، والاتحاد الإسلامي التركماني العراقي، ومنظمة بدر، ومنظمة الأمل الإسلامي، وتجمّع الفيليين الإسلامي في العراق، وحزب الله وما إلى ذلك من أحزاب دينية صغيرة تقوقعت في حدود الطائفة ولم تستطع الخروج إلى حاضنة الوطن الكبير، الذي ظلت مكوناته متعايشة مع بعضها على مدى سبعة آلاف سنة قبل أن تُدهمنا بعد 2003 الذهنيات المتلبِّسة بلبوس الدين وتحاول أن تفتت الوطن الموحد، العصي على التقسيم، والذي سينهض من رماده في القريب العاجل بعد أن ينفض عن جسده فيروس الطائفية المقيت ويستعيد عافيته من جديد.

ربما يعيش المالكي أحلك أيامه وأتعسها بعد أن انتبه عدد من الرجال المخلصين للعراق إلى ضرورة إعادة النظر في الائتلاف الوطني العراقي، وصياغة نظام داخلي يضع المصلحة الوطنية قبل كل شيء، ويقترح اسما جديدا كي يشغل منصب رئيس مجلس الوزراء القادم في العراق غير المالكي، خالق الأزمات وعرابها بلا منازع، خصوصا وأن الاجتماع الأخير لهذا الائتلاف قد ناقش عددا من القضايا الملحة مثل الموقف الأمني في الأنبار والفلوجة، والموازنة التي لم تُقر حتى هذه اللحظة، لكنه لم يطرح في جدول أعماله موضوع الولاية الثالثة وحجتهم في ذلك انتظار ظهور نتائج الانتخابات النيابية.

واللافت للنظر أن المالكي لم يعلق على التغييرات الجديدة التي تأخذ طريقها إلى جسد الائتلاف، كما لم يكشف عن نواياه الداخلية ولم يعقب على هذه المستجدات الخطيرة التي تنبئ بالتغيير ولا تقر بالولاية الثالثة له أو لأي رئيس مجلس وزراء قادم.

يعتقد بعض المراقبين أن المالكي قد يفكر في الانشقاق عن الائتلاف العراقي الذي لم يعد موحدا، وربما يتوجه إلى تأسيس تحالف آخر ليس بالضرورة أن يكون شيعيا، ويبدو أن الورقة الطائفية قد احترقت بين يديه فلا غرابة أن يلتجئ إلى الورقة الوطنية التي لا تليق به لأنه لا يحبها، ولم يعمل على تحقيقها على مدى ثماني سنوات.

فلقد أشعل حرب الأنبار والفلوجة وأغرق قرى أبي غريب، وسلّم سدة الفلوجة إلى داعش والعصابات المسلحة، وترك مؤخرا قوات “سوات” تفتك بأبناء بهرز، وتحرق بساتين النخيل في المخيسة والسعدية التابعتين لمحافظة ديالى ومع ذلك يطالب بالولاية الثالثة.

لقد انتبه بعض الخيّرين في الائتلاف الوطني إلى خطورة مشروع المالكي الذي ينوي إبادة السنة في العراق وتهجيرهم إلى كردستان أو بعض المنافي العربية والأوروبية بحجة محاربته للإرهاب والميليشيات الخارجة على القانون، دون أن يدري أن ميليشياته وقوات سوات التابعة له هي التي تفتك بالمواطنين السنة والشيعة على حد سواء. وقد انتبه التحالف قبل غيره إلى نُذُر هذه الكارثة المفجعة التي يقودها المالكي بمساعدة أنفار ضالين من حزبه المنشق الذين أحالوا العراق إلى جحيم لا يُطاق، وإذا أقدمَ على خطوة الانشقاق من الائتلاف الوطني فإنه سيحفر قبره بيده ويطوي صفحة هذا الموّال المقيت الذي أقضّ به مضاجع العراقيين على مدى ثماني سنوات عجاف.


كاتب عراقي

9