احتواء الجمعيات الأهلية.. لا منافذ غير حكومية للتمويل الأجنبي في مصر

قانون المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية، الذي أصدرته الحكومة المصرية العام الماضي، يثير جدلا داخل الأوساط الحقوقية في البلاد.
السبت 2018/03/17
تأميم الأعمال الخيرية

القاهرة - خلال تدشينه مدينة العلمين الجديدة بمحافظة مطروح الحدودية (غرب القاهرة) مطلع الشهر الجاري، أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن مشاركة مؤسسة الأورمان الخيرية من خلال تجهيز الوحدات السكنية الجديدة، والبالغ عددها 200 ألف وحدة.

ولفتت هذه الخطوة الانتباه لأنها عكست مشهدا جديدا بين الحكومة المصرية والجمعيات الأهلية، وأطّرها المتابعون في سياق أنها تمنح مسألة إعادة صياغة دور الجمعيات الأهلية في مصر أبعادا سياسية وقانونية عديدة، عقب تراجع تأثير جماعة الإخوان وبدء تطبيق قانون الجمعيات الأهلية الجديد.

وقدمت الحكومة المصرية جملة من التسهيلات لدفع الجمعيات الأهلية للمشاركة في المشروعات التي تتبناها وترغب في توجيه دفة الاهتمام بها، ووفرت قروضا بفائدة تصل إلى 8 بالمئة للمشاركة في تنمية القرى الفقيرة، لمنع تسرّب بعضها من تلقي أموال خارجية.

لكن، توسيع دور الجمعيات في إطار العمل الاجتماعي قابله وضع عراقيل قانونية تمنع العودة لما كانت عليه الأوضاع في السابق، وتحديدا ما يتعلق بالعمل السياسي على غرار ما حدث في السنوات الماضية، حيث تحول المجتمع المدني إلى قناة بديلة للأحزاب السياسية.

ويثير الدور الجديد الذي تسعى الحكومة إلى حصر المجتمع المدني فيه جدلا في الداخل، لكن في المقابل، خفت ضجيج الانتقادات على الساحة الدولية. وباستثناء تقارير قليلة تنتقد أوضاع الحريات في مصر لم تعد القاهرة بندا رئيسيا على أجندة المنظمات الدولية.

ونجحت مصر في تطوير علاقاتها بدوائر غربية كثيرة، سياسية ومجتمعية وإعلامية، واستثمرت بعض الأخطاء التي وقعت فيها منظمات دولية ووسائل إعلام عالمية بشأن ما يتم بثه حول الحقوق والحريات في مصر، فيما ربط البعض بين تقليص مجال تحرك الإخوان ونشاطهم في مصر وفي دول عديدة، وبين خفوت صوت التقارير الانتقادية للحالة الإنسانية والحريات عموما في مصر، الأمر الذي منح الحكومة فرصة لالتقاط الأنفاس وتقليم أظافر ما تبقى من نشاط لبعض منظمات المجتمع المدني وتغيير مسارها.

حياد عن الأهداف

تصميم الحكومة على أن تقصر عمل الجمعيات على الشق الاجتماعي، وإبعادها عن أي دور سياسي، سبب لها في وقت سابق مشكلات كثيرة، بعد أن وظفتها جماعات إسلامية لصالحها وحادت عن أهدافها المتعلقة بالمجتمع واحتياجاته.

ومرت مسألة إعادة صياغة أدوار الجمعيات الأهلية بمرحلتين، الأولى منذ بداية عام 2014 وبدأ معها انسحاب التنظيمات الإسلامية من الساحة المجتمعية، عقب ثورة 30 يونيو 2013 وإزاحة جماعة الإخوان عن الحكم، ما دفع الحكومة إلى الارتكان على الجمعيات الأهلية لسد هذا الفراغ، بعد أن اتخذت خطوات قانونية ضد الجمعيات التي ثبت تعاونها مع الجماعة وغيرها من التنظيمات الإسلامية.

وفي تلك الفترة كان الهدف أن تتحول أدوار الجمعيات الأهلية من العمل الدعوي والديني والثقافي إلى العمل المجتمعي، الأمر الذي انعكس على نشاط تلك الجمعيات في العام الماضي.

القانون أعطى الجمعيات الأهلية الحق في تقديم الرؤى والمقترحات المختلفة للجهاز الإداري للدولة

وبلغ عدد الجمعيات المهتمة بتنمية المجتمعات المحلية 17247 جمعية بنسبة تمثل 36.3 بالمئة من إجمالي الجمعيات البالغ عددها 47 ألف جمعية، بحسب دراسة أجرتها وحدة المجتمع المدني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

وأشارت الإحصاءات إلى أن الجمعيات العاملة في مجال الخدمات الثقافية والعلمية والدينية جاءت في المركز الثاني بواقع (13361 جمعية) بنسبة 28 بالمئة، بعد أن كانت تمثل نسبة 55 بالمئة بحسب إحصاء الجمعيات في العام 2012، ما يعبّر عن تراجع دور التيار السلفي وجماعة الإخوان في التواجد من خلال التنظيمات الأهلية.

وبدأت المرحلة الثانية، منذ أن تم إقرار قانون الجمعيات الأهلية في مايو الماضي، وربط أنشطة الجمعيات الأهلية بخطة الدولة واحتياجاتها التنموية وأولوياتها، وهو ما انعكس على مشاركة الكيانات الأهلية في عدد من المشروعات القومية التي أعلنت عنها الدولة منذ تلك الفترة.

وفتح السيسي، منذ أن تولى السلطة في العام 2014، الباب أمام الجمعيات الأهلية للمشاركة في العديد من المشروعات القومية التي تم تدشينها على مدار ولايته الأولى، وانصب اهتمامه على الجمعيات التي تهتم بالعمل الخيري وتعتمد بشكل أساسي على جمع التبرعات من المواطنين.

وعبّرت تلك الخطوات عن فلسفة القانون الذي أقره البرلمان في العام 2016، وصاحب صدوره الكثير من الانتقادات الدولية، لأنه ضيّق الخناق على منظمات المجتمع المدني التي تعتمد بالأساس على التمويلات الأجنبية، في حين أعطى أدوارا جديدة للجمعيات الأهلية المجتمعية، ونص صراحة على مشاركتها في عملية التمنية التي تتبناها الدولة.

وقال عادل عامر، رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية، إن دور الجمعيات الأهلية بعد صدور القانون الجديد أصبح يرتبط بالعمل الحقوقي المحلي والمساهمة في القضاء على المشكلات القائمة في المجتمع، ومشاركة الدولة في المشروعات التي تجري وفق خطتها التنموية المستقبلية.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن القانون أعطى الجمعيات الأهلية الحق في تقديم الرؤى والمقترحات المختلفة للجهاز الإداري للدولة. وأتاح لها إمكانية تطبيقها من خلال إدارة بعض المشروعات الحكومية، إذا كان بمقدوره تنفيذها، لافتا إلى أن فلسفة القانون تشجع على أن يبدأ المجتمع المدني بنفسه تقديم المقترحات التنموية بما يتوافق مع خطة الدولة.

وتواجه استعانة الحكومة المصرية بالجمعيات الخيرية في إدارة المشروعات القومية انتقادات من العاملين في مجال المجتمع المدني، لأن ثقافة التبرّع ترتبط بالرغبة في تقديم المساعدة المباشرة للفقراء وليس من خلال المشاركة في مشروعات الدولة.

وتأتي عدم ثقة المواطنين في توجيه أموالهم للمناطق الأكثر احتياجا بنتيجة عكسية تؤدي إلى عزوفهم عن التبرع لها، وهناك أزمة ثقة يبن المواطنين والحكومة في ما يتعلق بتوجيه أموال التبرعات، ما يمثل أحد الأسباب التي دفعت إلى الاستعانة بأموال الجمعيات الخيرية.

ثقافة التبرّع ترتبط بالرغبة في تقديم المساعدة المباشرة للفقراء
ثقافة التبرّع ترتبط بالرغبة في تقديم المساعدة المباشرة للفقراء

صياغة الأدوار

ترتبط إعادة صياغة أدوار الجمعيات الأهلية برغبة الحكومة في أن تصبح جزءا من مؤسساتها وتخضع لإشرافها بشكل دقيق، وهو ما نصّت عليه مواد القانون الجديد الذي وضع رقابة حكومية على جميع تعاملاتها، غير أن ذلك يواجه انتقادات حقوقية عديدة لما يمثله من تضييق على نشاطاتها.

وترغب الحكومة في الاستفادة من أموال التبرعات التي تتلقاها الجمعيات الخيرية، حيث يصل حجم إنفاقها السنوي إلى 52 مليار جنيه (3 مليار دولار تقريبا) وتمثل نحو 2.9 بالمئة من حجم ودائع البنوك التي حال عليها الحول، بحسب ما أعلنه مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية في نهاية 2016.

ويأخذ تنامي دور الجمعيات الأهلية أبعادا سياسية ترتبط برغبة الحكومة في التأكيد على أنها تفتح أبواب مشاركة منظمات المجتمع المدني في عملية التنمية، والحديث عن أن القانون الجديد قوّض عملها أمر غير صحيح.

وتهدف الحكومة للتنبيه إلى أنها لن تسمح بأن تستخدم الجمعيات الأهلية في دعم أنشطة لا تتوافق مع رؤيتها أو استغلالها في ما يمكن أن يمثل خطرا على الدولة المصرية، كما هو الحال بالنسبة لبعض المنظمات، مجهولة التمويل، أو الممولة من جهات خارجية، وكان لها نشاط بارز خلال أحداث ثورة 25 يناير 2011 وبعدها.

ويتطلب تضييق الخناق على منظمات المجتمع المدني التي تتلقى أموالا خارجية، زيادة الاعتماد على الجمعيات الخيرية التي تستطيع تعويض غياب التمويل الأجنبي.

وقال أيمن عبدالوهاب، مدير وحدة المجتمع المدني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن تضييق المجال على الجمعيات التي تختص بشكل مباشر بعملية التنمية من خلال الاعتماد على التمويل الخارجي في مقابل الاستعانة بالجمعيات الخيرية، لن يحقق بناء مجتمع مدني قوي وقادر على الإسهام الاقتصادي والتنموي.

وأضاف لـ”العرب” أن الحكومة ترفض وجود دور لأي منظمة مدنية تتلقى أموالا من الخارج، وهو مرتبط بالتوجس من استغلال الأموال سياسيا، ولجأت إلى الجمعيات الخيرية وهي تمثل الكتلة الأكبر من الجمعيات بنسبة تصل إلى 75 بالمئة، غير أن ذلك لن يؤسس مجتمعا مدنيا متطورا.

وأوضح أن هناك نظرة ضيقة لعملية التنمية ترتبط بالانتهاء من المشروعات التي تدعمها أجهزة الدولة، في حين أنها تقوم أساسا على تنمية الإنسان بشكل عام والاهتمام بقدراته وتهيئته للعمل، وهو ما يفتقده المجتمع المدني المصري الذي يعتمد بشكل أساسي على كيفية الاستفادة من الجمعيات من خلال تقديم المساعدات لتلبية احتياجات مجتمعية، من دون الاستعانة بها في خطط التنمية بمعناها الشامل.

7