احتواء عدوانية المتسربين يبدأ باستغلال طاقاتهم الشبابية

خبراء يؤكدون أن تردي الأحوال المعيشية وارتفاع نسبة الفقر وصعوبة توفير متطلبات الحياة، في مقدمة الأسباب التي تدفع المراهقين والشباب إلى التسرب من التعليم.
الأحد 2018/08/12
الشباب المتسرب يجد نفسه ميالا إلى العزلة عن المجتمع

القاهرة - اعترف عدد كبير ممن تم القبض عليهم في قضايا إرهابية، بأن انضمامهم إلى التنظيمات الإرهابية يعود إلى سهولة إقناعهم بمقولات دينية بأنهم على النهج الخطأ، وإلى رغبتهم في أن يكونوا نافعين وفي أن يحققوا عوائد مالية جيدة. عملية إقناعهم بالدخول إلى هذه التنظيمات تعتبر سهلة على القائمين بها كون نقاط ضعفهم كثيرة ومعروفة.

ولم ينكر أغلب الشباب في التحقيقات التي أجريت معهم أن ثقافتهم المحدودة وضعف مستوياتهم التعليمية بسبب هروبهم المبكر من التعليم، وبسبب الفقر، جعلاهم فريسة سهلة للمتطرفين، وأن عملية إقناعهم لم تستغرق وقتا طويلا، كما أنهم تعرضوا لعمليات غسيل مخ متتالية جعلتهم يؤمنون بما يؤمن به الإرهابيون بلا وعي.

هذا من بين المخاطر الناجمة عن التسرب من التعليم، والتي أصبحت من الأزمات التي تواجه الكثير من المجتمعات العربية، ومنها من بدأ يوليها الاهتمام ومنها من لا يزال يبحث عن المبررات التي تسمح له بالتنصل من المسؤولية.

وكشفت بعض الدراسات التربوية أن الهروب من التعليم ينتشر في الدول التي أخفقت في وضع حلول مبكرة لمواجهة مشكلات الفقر والتعليم، ومع الوقت بات المتسربون من المدارس الجزء المظلم في التكوين المجتمعي، نظرا لما ينجر عن تركهم لمقاعد الدراسة وخروجهم إلى الشارع دون مؤهلات من تداعيات خطيرة، تتطلب التعامل بطريقة علمية لاحتوائهم كمدخل للاستقرار والحماية من العنف.

مشكلة بعض الحكومات العربية أنها تؤجل البت في أمر هذه الفئة من المراهقين والشباب، أو أنها تهمل وضع الاستراتيجيات الكفيلة بإصلاح وضعها ولا تبحث بجدية في الأسباب التي دفعتها إلى السير في طريق التسرب، بذريعة أن هناك أولويات أخرى، مثل استقرار الأوضاع السياسية والأمنية، دون إدراك حقيقي بأن السلم المجتمعي يبدأ من توفير وسائل الحماية لهؤلاء الشباب.

ويمكن تفسير تعامل بعض المؤسسات الرسمية مع المتسربين من التعليم على أنهم سقطوا من حسابات حكومات دولهم، بذريعة أنهم اختاروا هذا المسار بأنفسهم، وكأنه يتم معاقبتهم على ذلك بالتهميش، دون النظر والتعمق في دراسة الدوافع التي تقف وراء خروجهم من التعليم، ومن بينها الشعور باليأس والإحباط والفراغ وغياب بوادر الأمل في توفير ضرورات الحياة عبر استكمال التعلم وإيجاد عمل لائق.

وبالرغم من وجود دوافع خارجة عن نطاق الفرد مثل غياب الاستقرار السياسي نتيجة الاضطرابات والصراعات في دول كثيرة حاليا، حيث يكون التسرب نابعا من ظروف قهرية، لكن الخطورة تكمن في اتساعه داخل دول تشهد استقرارا، مثل مصر.

معايشة المتسربين لظروف صعبة تدخلهم في صراع مع المحيطين بهم، خصوصا عندما يشعرون بالتمييز والعنصرية

يؤكد البعض من الخبراء أن تردي الأحوال المعيشية وارتفاع نسبة الفقر وصعوبة توفير متطلبات الحياة، في مقدمة الأسباب التي تدفع المراهقين والشباب إلى التسرب، لأن التعليم أصبح في مرتبة لاحقة لدى هذه الفئة وأربابها. وتكمن المشكلة في طريقة التعامل مع الشباب المتسرب، فغالبية الحكومات تتجاهل طاقاتهم ولا تسعى لتوفير وسائل حمايتهم من الانحراف ومن السلوكيات العدائية بسبب الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

وتتشابه السمات الشخصية لهؤلاء الشبان، فأكثرهم يميل إلى التمرد على الواقع، ويتعامل بنقمة مع المحيط والظروف التي أدت به إلى الفقر والتهميش والتسرب ثم البطالة، ولا تكون لديه أهداف ورؤية واضحة لمستقبله، ويعيش حياته بغرض توفير متطلباته اليومية بأي وسيلة.

ويقول خبراء في علم الاجتماع إن اتساع دائرة التسرب التعليمي بين الشباب، يكرس هدر الطاقات البشرية ويوسع دائرة الفقر، ويزيد حالة الاغتراب لديه، ويجعله عاجزا عن توفير احتياجاته الأساسية، وينذر بظهور جيل يتسم بالقسوة والعنف وكل الميول العداونية، ما يعني أن أبناء هذا الشباب سوف يتجهون إلى تكوين أسر على شاكلتهم.

كل ما يهم محمود رمزي (25 عاما)، المقيم في حي المطرية بشمال القاهرة، والذي ترك التعليم من الصف الثاني الثانوي، توفير تكلفة شراء السجائر، حيث لجأ إلى البلطجة على سائقي المركبات في المنطقة، بعدما فشل في العثور على فرصة عمل في شركة أو مصنع، لأنه لم يكمل تعليمه.

ويؤكد محمود لـ”العرب” أنه لا يمانع في الحصول على الأموال بأي وسيلة غير قانوينة، ويعتقد أن الحكومة هي التي دفعته إلى ذلك، لأنها زرعت داخله مشاعر الإحباط واليأس منذ الصغر، وجعلت التعليم بلا جدوى، فكان التسرب من المدرسة نتيجة طبيعية لوضعه. ويقول “لن أعلّم أولادي، وكثيرون ممن أعرفهم يفكرون هكذا، لأن توفير متطلبات الحياة أهم من أي شيء آخر، فعملهم يوفر دخلا ماديا. أنا أعرف شبانا يتاجرون في المخدرات وغيرهم يعملون في مهن تبدو شريفة للتغطية على نشاط غير مشروع. نحن لم نجد من يقدم لنا يد العون ويغير مسار حياتنا”.

من جانبه يشير أحمد علي، وهو شاب في بدايات العشرينات، إلى أن “أغلب الشبان المتسربين من التعليم ليست لديهم طموحات ويعيشون فراغا قاتلا يدفعهم أحيانا إلى الانحراف ويشعرون بأنهم ضحايا للبيئة التي يعيشون فيها، والتي أهملت قدراتهم وإمكانياتهم ولم تستغلها كما يلزم، كأنهم يريدون عقابنا على ترك المدرسة أو الجامعة”.

ويتذكر أحمد أنه عندما تقدم لخطبة فتاة، رفضته أسرتها لأنه لم يكمل تعليمه، ويقول “مشكلة المجتمع أنه يعاقب المتسرب على اختيار مسار حياة مغاير للآخرين، بالاكتفاء بمرحلة معينة من التعليم، وهو ما جعلني أترك المهن الشريفة وأبحث عن المال والثراء بشتى الطرق”.

ويجد الشباب المتسرب نفسه ميالا إلى العزلة عن المجتمع، لشعوره بأن المحيطين به يعاملونه كمواطن من درجة ثانية، وينظر إليه أقرانه من المتعلمين على أنه “جاهل ومؤهل ليصبح بلطجيا”.

ويقول محمود عبدالفتاح، الذي يعيش في حي شبرا القريب من وسط القاهرة، لـ”العرب”، “نحن لا نخطط للمستقبل، ونعيش حياتنا يوما بيوم، فقط نبحث عن توفير متطلباتنا، مثل السجائر والملابس وغيرها.. مشكلتنا أننا عالة على أنفسنا قبل أسرنا، وفي رأيي إذا أرادت الحكومة احتواء الشباب عليها الاستماع إليه مباشرة”.

ويشير علي عبدالراضي، الباحث المصري في علم الاجتماع، إلى أن “عشوائية التعامل مع مطالب الشبان المتسرب، تدفعهم إلى الميل نحو الانحراف وانتهاج سلوكيات خاطئة يشرعونها لأنفسهم، لأن المجتمع جعل خياراتهم محدودة، وبات هؤلاء لا يتعاملون مع الحياة الاجتماعية بمبدأ التعايش، بل بمنطق المصلحة الذاتية والبحث عن المكسب السريع للهروب من دوامة الفقر ومحاولة إثبات الذات وسط شعور بأن كل الأطراف تبادلهم العداء”.

ويضيف لـ”العرب” أن معايشة المتسربين لظروف صعبة تدخلهم في صراع مع المحيطين بهم، خصوصا عندما يشعرون بالطبقية والتمييز والعنصرية والتهميش وباستحالة تحسن أوضاعهم وظروفهم المعيشية، وفقدانهم للأمل يجعلهم يلجأون إلى العدوانية والعنف اللفظي والمادي جراء دخولهم في حالة من عدم الرضا على حياتهم تنتج عنها اضطرابات عاطفية.

19