احذروا المسابقات

الصداقة والود لا ينموان في ظل السباق والتنافس. لاحظوا أنه حتى في المدارس الابتدائية، أثناء يوم السباقات السنوي، تنشب أحقاد بين من هم في السادسة من العمر في الصف الأول.
الثلاثاء 2018/05/15
المسابقات تقرب بين الشعوب وتنشر الود والانسجام

"لا توقظ كلبا نائما" وفي تعبير آخر "دع الكلب النائم في سباته". هذه حكمة تقليدية إنكليزية تشبه ما نقوله في حضارتنا من أن الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها. لا أعلم لماذا أفضل حكاية الكلب النائم، ربما لأن بالإمكان تخيله وتخيل فظاظته لدى الاستيقاظ قبل أن يشبع نوما.

لا أعلم لماذا اختاروا الكلب ليكون مضرب المثل وليس القط، مثلا، أو حتى رئيس عرفاء الفصيل في الجيش، مثلا، ولا حتى طبيب الأسنان. أقول لا أحد يحب أن يوقظه أحد. أنا خصيصا أحاول التملص من مهمة إيقاظ أي أحد حتى أقرب الناس. أعرف أن من توقظه سيكرهك حقا ويتمنى موتك خنقا، والأفضل على يديه.

أذكر هذه الحكمة كلما سمعت عن مسابقة. التنافس والتسابق يوقظان الكلاب الغافية بعمق. تجد شعوبا متعايشة وكل يروح ويجيء في دربه، فيقيمون بينهم مسابقة على هذا الكأس أو ذاك فتندلع الأحقاد وتفور الصدور.أنا شخصيا ما كنت أصدق، لولا ما سمعته بأذني، تراشق السباب الصادر من مصر والجزائر في كأس العالم السابق. شاهدت وسمعت سبابا صادرا من القاهرة يرمي شهداء الثورة الجزائرية بأبشع النعوت.

يومها قيل إن كرة القدم تستهوي العنف والجلافة لدى المشجعين. لكن ما قول أصحاب هذا الرأي في الأحقاد التي تندلع سنويا، وشاهدناها أول من أمس، في مسابقة الأغنية الأوروبية التي قوامها الطرب والتثني والرقص وكل شيء جميل.

الصداقة والود لا ينموان في ظل السباق والتنافس. لاحظوا أنه حتى في المدارس الابتدائية، أثناء يوم السباقات السنوي، تنشب أحقاد بين من هم في السادسة من العمر في الصف الأول. هؤلاء يركضون في سباق سخيف اسمه الملعقة والبيضة حيث يحمل المتسابق ملعقة فيها بيضة ينبغي ألا تقع أثناء الركض. حتى في هذا السباق سيكون هناك فائز واحد وأربعون ناقما وحقودا.

هذه هي العلة في المسابقات: أنها تفرز فائزا سعيدا واحدا وعشرات الخاسرين الغاضبين الحزانى. يعني أن المسابقة بتعريف آخر هي فعالية بشرية لإنتاج إنسان مبتهج لكل مئة ناقم أو أكثر. ومع هذا لا يزالون يرددون أن الألعاب الأولمبية تقام “من أجل إرساء المحبة والسلام بين الشعوب” في حين لا يوجد وسيلة أنجع لإشعال الحرب، مثل المباراة “الودية” لكرة القدم بين السلفادور وهندوراس عام 1969.

 لهذه الأسباب أتمنى أن تحمل كل مسابقة، مهما كانت رقيقة وجميلة مثل تنسيق الزهور، تحذيرا بحروف بارزة مثل التحذيرات على علب السجائر “احذروا المسابقات فقد تؤدي إلى الدمار والشقاء”.

24