احذر … نحن نراك!

الأربعاء 2015/10/14

ما كانت حادثة ضرب العامل المصري في عمان من قبل مجموعة تابعة لنائب أردني، أن تثير ردود الفعل تلك لولا كاميرا الهاتف المحمول… لقد تحولت تلك الواقعة التي دارت أحداثها في باحة أو مدخل مبنى لم يتواجد فيه حينها إلا بضعة أشخاص، إلى قضية رأي عام بعد أن التقطت تفاصيلها كاميرا الهاتف المحمول الذي تواجد صاحبه صدفة هناك، وتسللت إلى اليوتوب ليتابعها الألوف.

ثم تناولت الحكاية وسائل الإعلام، وخاصة المصرية، ودخلت في التفاصيل وأجرت بعض الفضائيات لقاءات مع العامل المعتدى عليه والنائب الذي كان مقترفو الاعتداء من أتباعه، وصارت قضية حتى على المستوى الرسمي بين الحكومتين المصرية والأردنية باتصالات دبلوماسية وأمنية.

إن مئات الأشخاص المساكين من العمال والفقراء يضربون يوميا ويعتدى عليهم في بلدانهم أو في بلدان غيرها حيث يتواجدون فيها لكسب العيش، ولا يتحدث عنهم أحد… لأنه لم يوثق أحد الاعتداء ولم ينشره… فكاميرا الهاتف المحمول لم تره!

لقد حولت كاميرا الهاتف المحمول ذلك الاعتداء على العامل المصري إلى وثيقة، والإعلام جعل منها قضية رأي عام، تولدت منها أو عنها ردود أفعال قابلة للتوسع والتفاعل وتحريك الناس أو الحكومات.

هذه الحادثة نموذج لما يمكن أن تفعله تقنيات الهاتف المحمول كوسيلة للرقابة الشعبية التي توثق الأحداث بالصوت والصورة وتلتقط ما تراه في لحظة حدوث الحدث، دون استئذان أو موافقات أو تحضير، فصرنا نرى مواقف وأحداثا من الحياة العامة والخاصة لم يكن من الممكن أن نشاهدها ونطلع عليها لولا كاميرا الهاتف المحمول التي حولت مئات بل آلاف الناس، من مختلف الأعمار والجنسيات، إلى مصورين ومراسلين ومخبرين ومراقبين يلتقطون “اللحظة” بعلم أو دون علم “أبطالها” لينشروها بعد ذلك دون مقص الرقيب عبر الإنترنت حول العالم من خلال منصات النشر الإلكترونية الرقمية التي لا تضاهيها أي فضائية في العالم، وأقصد فيسبوك وتويتر وطبعا يوتيوب الذي يستهوي الآن ملايين البشر حول الكرة الأرضية.

إن من لم يحلم يوما بأن يلتقط بنفسه صورة لما حوله أو لمن حوله، أصبح الآن مدمنا على التصوير، وحتى الكثير من الأطفال والناس العاديين والأميين الذين قد يفاجئوننا بصور مهمة وجذابة ومتقنة لا يفوتهم شيء يرونه أمامهم دون أن يسجلوه على هاتفهم المحمول، وكثير منهم يتبادلون ما يصورونه مع غيرهم حتى وإن ابتعدت المسافات، إلى أن اكتشفوا سهولة البث عبر يوتيوب فصاروا “يبثون” صورهم بأنواعها، وإلى جانب المقاطع السياسية والإخبارية والعامة صرنا نشاهد الكثير من المقاطع الخاصة والعائلية الضارة والتي يمكن وصف بعضها بـ “الفضائح”. وقد سبب بعضها إحراجات عائلية أو اجتماعية، وأدت كثرتها إلى إجبار إدارة يوتيوب إلى إيجاد وسيلة لحذف الفقرات المسيئة من على شاشتها عندما يطلب بعض المتضررين حذفها.

إن انتشار استعمال كاميرا الهاتف المحمول صار مثل الوباء، فأغلب من يحملون الهاتف المحمول سرعان ما يفتحون كاميراته ليصوروا ما يجري أمامهم متناسين أبسط أصول اللياقة، والصورة المعروفة عن الغريق الذي يستنجد لإنقاذه وحوله على الشاطئ عدد من الأشخاص يصورونه بهواتفهم ولا أحد يبادر إلى إنقاذه، ليست نكتة وإنما هي تجسيد فاضح لما يجري فعلا بين مهووسي التصوير بكاميرا الهاتف المحمول.

أنت لا تدري في أي لحظة سيستل أحدهم جهازه ليصور ما يدور أمامه برضاك أو عدمه، حتى وإن كان ما يحدث أمامه له خصوصية كأن تكون سهرة عائلية أو لقاءات لها طابع اجتماعي خاص، ويكبر الضرر حتما عندما لا يحتفظ الشخص بما صوره لنفسه وحده، وينشره على تفرعات الإنترنت.

وربما تهون المشكلة إذا كان التصوير يتم أمامك وبعلمك، ولكن ما العمل إذا كان الهاتف يراك ولا تراه، يصور ما تفعل وأنت لا تدري فيتمادى.

وربما قريبا سيتم تعليق لوحات تحذرية تقول “احذر .. نحن نراك!!!”.

18