احزم أمتعتك وسافر إلى الصين

الأحد 2016/01/31

لو نتحدث من الناحية الاقتصادية، ربما يمكن القول إن الصين تعتبر من أكثر الدول في العالم تصديرا لسلعها ومنتجاتها، حتى أنها تمكنت طيلة السنوات الماضية من أن تغزو كل الأسواق وتزاحم القوى التقليدية، والأمر الجديّ في هذا السياق أن الصين استثمرت في كل شيء ولم تترك مجالا لم تعره الأهمية الكبيرة، حتى نجحت في اكتساح كل الأسواق بعد أن صنعت كل المنتجات.

ومع ذلك فالطريف في الأمر أنّ أغلب هذه السلع القادمة من خلف "السور العظيم"، كانت ولا تزال سلعا مقلدة من الدرجة الثالثة إلى درجة أن البعض لا يتورع عن القول عند تقييم منتوج معين إنه "سلعة صينية مغشوشة".

الصين اكتسحت كل المجالات واستثمرت في كل المنتجات وباتت رقما صعبا في سوق التبادل التجاري العالمي، ويعود ذلك أولا إلى أنها لم تستثن أيّ مجال أو اختصاص، وراهنت على صناعة سلع زهيدة الثمن، الأمر الذي خول لها اكتساح كل الأسواق في العالم.

بيد أن الطريف في كل هذه المسألة أنها لجأت اليوم إلى اتباع سياسة جديدة معاكسة تماما لسياستها التجارية والصناعية والتجارية المألوفة، اليوم باتت الصين تبحث عن استيراد "سلعة" نادرة وغير موجودة في بلد المليار و400 مليون نسمة.

الحديث هنا يتمحور حول الاستثمار في الرياضة، فهذا البلد الذي اكتسح تقريبا كل الاختصاصات الرياضية وأصبح منذ سنوات منافسا قويا للغاية في حصوله على العديد من الميداليات الأولمبية، والدليل على ذلك ما حصل في أولمبياد بكين سنة 2008 عندما احتلت الصف الأول في الترتيب العام لجدول الميداليات، متقدمة على القوى المعروفة مثل الولايات المتحدة، غير أن الأمر الوحيد تقريبا الذي عجزت خلاله عن تسلق السلم والوصول إلى صف الكبار هو اختصاص اللعبة الشعبية الأولى في العالم أي كرة القدم.

الصين "العظيمة" بدأت منذ فترة ليست ببعيدة في انتهاج سياسة استيراد اللاعبين والمدربين في مجال كرة القدم، وفي السنوات الماضية حققت بعض المكاسب بفضل هذه السياسة، فمثلا تمكن المدرب الإيطالي المحنك مارسيلو ليبي من قيادة نادي جوانزجو من الحصول على لقب دوري أبطال آسيا في حدث غير مسبوق، وباتت بعض الفرق تزاحم وتنافس بقوة في المسابقات القارية، لكن ذلك لم يكن كافيا.

في السنوات القليلة الماضية بدأت هذه السياسة في الوضوح أكثر، وتحدث بعض المسؤولين عن ضرورة الانفتاح أكثر على "الأسواق" الخارجية المغرية وحتمية توفير السيولة المالية الكافية كي يتمكّن الدوري المحلي من استقطاب النجوم، كانت البداية محتشمة نسبيا، لكن وقع التعاقد مع بعض اللاعبين المعروفين مثل الفرنسي أنيلكا والعاجي دروغبا، وتم أيضا التعامل مع بعض المدربين المعروفين في العالم مثل السويدي غوران إيركسون والنجم الإيطالي السابق فابيو كانافارو، وجاء بعدهم البرازيلي روبينهو والسينغالي ديمبا با، وغيرهم كثر.

وفي المقابل، ما يحصل اليوم يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الصين تريد أن تتحول من أكبر بلد مصدر للمنتجات والسلع في العالم إلى أحد أكبر الدول المستقطبة للاعبين النجوم في كرة القدم، والدليل على ذلك أنه تم تخصيص ما يقارب الـ168 مليون دولار من أجل إغراء نجوم اللعبة في العالم للعب في هذا الدوري الذي يريد أن يكون الأقوى في آسيا، الأمر الذي قد يعود بالنفع على المنتخب الأول الذي بقي منذ سنوات طويلة يعيش في ظل منتخبات أقوى منه في هذه القارة.

لقد أضحى الدوري الصيني هذا العام أكبر مستورد للاعبين في العالم، وتفوق نسبيا على دوريات أخرى انتهجت سابقا السياسة ذاتها مثل الدوري القطري والدوري الأميركي والدوري الأسترالي.

وما يؤكد هذه المعطيات أن موسم الانتقالات الشتوية الحالي عرف نشاطا غير مسبوق في الدوري الصيني، وبدا الأمر وكأنه انطلاق موسم الهجرة إلى الصين، لقد أغرت الأموال الصينية بعض اللاعبين المعروفين في العالم، فانتقل النجم السابق لنادي تشيلسي البرازيلي راميريز إلى نادي غيانغسو، وتحول النجم العاجي جيرفينهو من روما الإيطالي إلى نادي هيبي فورتونا، ورحل الشاب الدولي الكولومبي غوارين من نادي إنتر ميلان الإيطالي إلى نادي شنغهاي شينوا، ونسج على منوالهم الكاميروني ستيفان مبيا، والقائمة تطول ولن تنتهي.

فالأخبار الواردة من بلد السور العظيم تفيد أن هذه السياسة لن تتوقف، حيث يعمل القائمون على المجال الرياضي في البلاد إلى جعل كرة القدم الصينية قادرة بعد سنوات قليلة على المنافسة بقوة في البطولات القارية، وكذلك المراهنة باستمرار على التأهل إلى كأس العالم.

ومع ذلك، فما يجعل التجربة الصينية مختلفة ومغرية وواعدة في آن واحد أن هذه الانتدابات لا تقتصر على اللاعبين الذين اقتربوا من الاعتزال، بل تتركز هذه السياسة على استقطاب اللاعبين الشبان وكذلك المدربين المحنكين القادرين على المساهمة في تطوير اللعبة في الصين.

كاتب صحافي تونسي

23