احمل اليوم مظلة

الجمعة 2017/09/29

ستجد نفسك اليوم تبحث في مكتبتك المنزلية، ما قبل الإنترنت عن كتاب قاموس اللغة الذي كنت في الماضي كثيرا ما تتناوله لتتعرف على معنى أو على مصدر كلمة من الكلمات العربية.

اليوم، ستجد لذة غرائبية في البحث في هذا الكتاب الذي اصفرّت أوراقه، وعطّره مرور الزمن بخصوصيته الغامضة، عن كلمة تستخدمها كثيرا في حياتك اليومية واعتقدت طويلا أنك تعرف معناها، أما الكلمة فهي “الحقيقة”. سيطالعك تفسير مختصر وواضح ومباشر “واقعية الشيء، أو كونه موثوقا من وقائع، نظرية مؤكدة بالإثبات”. ستمعن النظر، اليوم، بهذه الكلمات، وكأنك تكتشفها للمرة الأولى بشكل مختلف وموشوم بالريبة.

فما من “حقيقة” إلاّ وباتت اليوم عُرضة للنقاش وللتساؤل، وفي المقابل لم تعد الخرافة خارج ملعب الحقيقة، وهي أصبحت اليوم، أي الخرافة، إما مرحلة عمرية للحقيقة قبل أن تبلغ سن نضجها، أو باتت أداة علمية للكشف عن واقع جديد هو حقيقي بكل ما كانت تعني الكلمة من معنى، أو هي تحريض على إنتاج حقيقة مختلفة مهما كانت جنونية.

الفنون بمجملها اكتسبت اليوم أكثر من قبل هذه الخاصية “الجديّة”، إذا صح التعبير، فعندما تتأمل في عمل فني شطح فيه الخيال إلى محطات بعيدة فأنت لم تعد تفترض، كما في السابق بأن ما تراه ليس إلا جزءا من خيال الفنان، بل تنظر إليه على أنه احتمال حضور عنيف النبرة، ظهر للعلن، أم لم يظهر بعد.

في المُقابل باتت الاكتشافات العلمية تطال وتفصح عن حقائق غير قابلة للتصديق لو تمّ الكشف عنها قبل هذا العصر الذي نعيش فيه، عصر الاحتمالات والحقائق الخيالية.

من تلك الاكتشافات التي تمت خلال هذه السنة، تلك المُشبعة بجمالية شعرية يفقه معناها العديد من الفنانين من كافة التيارات الفنية، وهي اكتشاف كوكب يبعد عن كوكب الأرض بنحو مئة سنة ضوئية، وهو خارج المجموعة الشمسية، تهطل الأمطار من سماء هذا الكوكب خلال فترة الليل فقط، وتتكون قطرات “مطره” من كريستالات ياقوت وصفير أزرق اللون.

ونقلت المجلة العلمية “ناتشور أسترونومي” عن العالم دافيد أرمسترونغ من جامعة وارويك البريطانية، قوله هذا “تمكنا من تتبع كيف ينعكس الضوء عن المجال الجويّ للكوكب وأدركنا أنه في تغير مستمر.. تتشكل الغيوم في جانبه الليلي فتدفعها الرياح القوية إلى الجانب النهاري منه حيث تتبخر وتختفي على الفور”.

ويستدرك قائلا “الغيوم تكون سائلة الشكل في حال بقيت في الجانب المظلم من الكوكب، ولكن بإمكانها رغم ذلك بأن تتساقط كقطرات من الأحجار الكريمة”.

كلام العالم هذا يبدو من دون شكل ضربا من ضروب الشعر أو وصف للوحة تشكيلية أو لعمل سينمائي، ولكنه في الواقع ليس إلاّ شرحا لحقيقة علمية.

ليس هذا الاكتشاف هو الفريد من نوعه، إذ وضع هذا الكوكب العلماء في حيرة من أمرهم أمام كواكب اكتشفوها قبل هذا الكوكب الذي يمطر أحجارا كريمة، كواكب تحتوي على غيوم من زجاج وسحب من رصاص، والهواء يتكون من معادن متبخرة وفلزات تحملها الرياح في بعض الحالات بسرعة أسرع من الصوت.

لا شيء جديد أو ثوريّ في أن تحاول إدراك ما هو حقيقيّ وما هو وهميّ، ولا في أن تحاول العثور على مفاتيح أبواب تأخذك خلف ما هو مرئي، وقد انهمك الفلاسفة والفنانون والعلماء ولا زالوا بذلك طويلا جدا.

اليوم، ربما ما هو جديد، هو أنك صرت على مستوى آخر من التجربة الوجودية، يخاطبك قائلا “اصنع.. احمل مظلة شفافة جدا، ولكن متينة جدا لتقيك من انهمار الأحجار الكريمة أو الكواكب على رأسك، أو لا تحملها، فذاك هو شأنك، فما سينهمر، سينهمر بإذنك أو من دونه، تلك هي الحقيقة الجمّة التي عليك أن تعتاش منها، وتتكيف معها اليوم”.

ناقدة لبنانية

17