اختبأ تجسس اعتقل: هؤلاء ليسوا دارسي لغة إنهم مخبرون

نستخدم في اللغة العامية كلمة “بَهْدَلَ”، وهي فعل يعني “أهان إهانة شفاهية أو جسدية”، الفعل في الحقيقة فصيح، وحين نقول “بَهْدَلَ الرَّجُلُ فِي مِشْيَتِهِ”، نعني “أسْرَعَ، واِهْتَزَّتْ بَهْدَلَتُهُ”. من السهل إدراك كيف زحف المعنى من السرعة و”اللهوجة” إلى معنى الإهانة. “لَهْوَجَ” هي الأخرى فصيحة، وتعني “لم يُحْكِمْ الشيء ولم يُبْرِمْه”، ويقال “لَهْوَجَ الطَّعامَ”، أي “لم يُنْضِجْه”، وكذلك حديثٌ مُلَهْوَجٌ، ورَأي مُلَهْوَج.
الأربعاء 2015/06/24
الكاتب يسلط الضوء على الجانب اللغوي المهمل من الصراع الفلسطيني والإسرائيلي

سوف يستدعي القارئ فِعْليْ “بهدل” و”لهوج” أثناء مطالعة كتاب “ابتكار لغة عربية إسرائيلية: الاعتبارات السياسية والأمنية عند وضع دراسات اللغة العربية في إسرائيل” الصادر عن دار نشر بالجريف ماكميلان بقلم اللغوي الإسرائيلي المقيم في القدس يوناتان ميندل، وهو باحث في الجامعة العبرية وباحث مساعد في جامعة كمبريدج البريطانية. فأول ما سيخطر في ذهن القارئ بعد الفصل الأول حين يطّلع على التاريخ السياسي للدراسات العربية في المدارس اليهودية هو أن إسرائيل “بهدلت” اللغة العربية.

يرنو عالم اللغويات الأميركي جوشوا فيشمان إلى اللغة باعتبارها “الرسالة ذاتها”، وليس باعتبارها “حاملة للرسالة”. وعلى غلاف كتاب ميندل يعلو صوت اللهوجة صارخا ليتجلى تشويه الرسالة، إذ تنطبع عليه لافتة طريق تتجاهل تماما الهمزات (الى، اماكن، الاسرائيليين)، كما لا تراعي العلاقة الحتمية بين الاسم والصفة من حيث التذكير والتأنيث (الدخول – خطرة).

ومثله كمثل معظم من يكتبون في المجلة البريطانية العريقة “لندن ريفيو أوف بوكس”، يتخذ ميندل موقف الشجب من دولة إسرائيل وسياساتها. وكتابه الذي نتناوله هنا يرصد بتفاصيل أكاديمية ناقدة حالة اللغة العربية في المجتمع الإسرائيلي، مسلطا الضوء على الجانب اللغوي المهمل من الصراع الفلسطيني والإسرائيلي.

الأمن أولا وأخيرا

يجادل يوناتان ميندل بأن الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية شكّلت دراسة اللغة العربية وغاياتها في المجتمع اليهودي، لغة يتحدث بها عدد كبير من اليهود الشرقيين المهاجرين من الدول العربية، علاوة على الفلسطينيين المقيمين في إسرائيل. فبدلا من المفردات الدراسية الشهيرة في فصول المبتدئين، “قرأ، كتب، حصد”، تضمنت الدروس مفردات بوليسية من قبيل “اختبأ، تجسس، اعتقل”. وقد برزت هذه الصلة بين دراسة العربية والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية في إقحام لغة الضاد في سياق يستجيب إلى الأحداث السياسية، ويتغير بتغيرها لكي يلبي حاجات سلطات الأمن وجهاز المخابرات.

"اللغة العربية الإسرائيلية"، كما أسماها ميندل، مكنت الطلاب الإسرائيليين من مراقبة الشرق الأوسط دون التفاعل مع العرب

واعتمادا على بحث أجري بالاستعانة بسبعة أرشيفات إسرائيلية، يكشف ميندل عن نوع جديد محدود من اللغة العربية، نوع تطوّر ومصيره الصمت والسلبية، لغة نشأت مصطبغة بصبغة أمنية. وتخفيفا لوقع الصيغة البوليسية لهذا النزوع اللغوي، يعزو الإسرائيليون هذه اللغة العربية الكسيحة إلى “الاعتبارات القومية” أو “الشؤون الإستراتيجية”.

لغة الشعر الجميل جرّدها الإسرائيليون من أيّ أثر للعاطفة أو النغمة، وباتت على أيديهم لغة لا تمنح متعلميها إلا مجموعة منتقاة من المهارات اللغوية، ولا سيما فك شفرات النصوص ورموزها، وتحديدا تلك المطبوعة في الجرائد والمجلات. أجل، مثلما قد يرد على بال القارئ تماما، هم ليسوا في الحقيقة دارسين للغة، وإنما مخبرون لغويون!

وهكذا مكّنت هذه “اللغة العربية الإسرائيلية”، كما أسماها ميندل، الطلاب من مراقبة الشرق الأوسط بدون التفاعل مع العرب بوجه عام أو الفلسطينيين بوجه خاص، فتبلورت العملية التعليمية لتصوغ وجهة نظر الطلبة في اللغة وأهلها، ولكن على حساب الاثنين.

جيش من المستعربين

كانت المدارس اليهودية قد درّست اللغة العربية تحت الانتداب البريطاني في فلسطين، وبعدها في إسرائيل منذ عام 1948 وحتى الآن. وأبرز هذه البرامج كان برنامج دراسات اللغة العربية في المدارس الحكومية المسمى بـ”الفصول الشرقية” (1950-1967). وهو برنامج لا يعقد شراكة من أي نوع بين اللغة والتفاهم بين الشعبين اليهودي والعربي، وإنما بين اللغة والأمن، الهوس الأوحد لدولة إسرائيل.

هيمنة الصهيونية على فلسطين أثّرت سلبا على وضعية اللغة

وميندل هنا يفنّد طبيعة شبكات مخابراتية أجازت “الفصول الشرقية” وسيطرت عليها، وكذلك يؤرخ لسلسة من اللجان التعليمية التي انخرطت في تأسيسها، علاوة على أهداف البرنامج والسبل التي انتهجتها اللجان لتحقيق هذه الأهداف. فضح ببساطة منقطعة النظير “مَن” موّل دورات اللغة العربية في المؤسسات التعليمية المدنية، و”لماذا” أداروها (ما هي مصلحتهم)، و”كيف” أشرفوا عليها (طبيعة مشاركتهم).

حين التقت الصهيونية باللغة العربية بعد حربي 1967 و1973 -وأثرهما كبير على دراسة العربية في إسرائيل- ترسّخت فكرة التهديد العربي للدولة اليهودية في المدارس الإسرائيلية؛ خصصت إسرائيل وقتذاك موارد لا يستهان بها لتجند جيشا من المستعربين الإسرائيليين، لا مسعى لهم إلا استغلال اللغة العربية في الحرب.

وهكذا جمعت بين وزارة التعليم والمخابرات الحربية علاقة تعاون مستمرة حتى الآن، وبين لغة اليهودي ابن ميمون قديما ولغة الوحدة الإسرائيلية رقم 8200 فارق كبير، إذ أصبحت اللغة العربية تخدم مفهوم الأمن وحده، فتشوهت معالمها، واسودّ وجهها. وصار بعد غزو الأرض، غزو جديد للمحتل الإسرائيلي.

ومثل هذا البرنامج يصلح كنموذج على التوجه المعاصر للدراسات العربية بالمجتمع الإسرائيلي، توجه يؤازر متطلبات المخابرات العسكرية دون غيرها، مضيفا زاوية جديدة لفهم طريقة تتطلع بها إسرائيل إلى “الآخر” العربي، وبخاصة إلى الفلسطينيين المقيمين في إسرائيل.

لغة عربية عسكرية

الحق أن هناك عددا ضئيلا من الفلسطينيين يعلمون اللغة العربية في المدارس الإسرائيلية، ما كان مصدر خيبة أمل للمخابرات العسكرية في محاولاتها المكثفة لزيادة عدد تلاميذ العربية في المدارس الثانوية. وحتى قبل إجراء أية أبحاث في هذا الموضوع، يتبادر إلى الذهن البعض من الأمثلة المعاصرة التي توضح مدى نفوذ الجيش في دراسات اللغة.

فقد وجد استقصاء مدني حديث أن الخدمة في المخابرات العسكرية هي الحافز الأول لدراسة اللغة العربية؛ وبعدها جاءت المشاريع العامة التي تنفذها المخابرات في مجال الدراسات العربية، بما في ذلك مشروعا “كتائب شباب الشرق” و”المخابرات العسكرية في الأفق”.

تستند أبحاث ميندل حصرا على وقائع تاريخية وتحولات سياسية وحملات عسكرية مأخوذة من الوثائق الإسرائيلية الرسمية، العسكرية والمدنية على حدّ سواء، تتعلق بتدريس اللغة العربية في إسرائيل من عام 1935 إلى عام 1985. تشتمل أيضا على تحليل لدراسة اللغة العربية بالمدارس الإسرائيلية في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.

الخدمة في المخابرات العسكرية هي الحافز الأول لدراسة اللغة العربية؛ وبعدها جاءت المشاريع العامة التي تنفذها المخابرات في مجال الدراسات العربية

يستفيض ميندل في كتابه في تفصيل هذه الأبحاث، مبرهنا على الاختراق الهائل من جانب الشؤون الأمنية للدراسات العربية، وتأثيرها على التلاميذ الدارسين للعربية، مركزا على منهجيات تعليم العربية، ومن ضمنها معايير “صامتة” أو غير معلنة يستخدمونها أثناء الدراسة، واللغوي العربي نفسه لا سلطة له في بلورة هذه المناهج. إنه في الواقع سرّ “معروف”. يقول الكاتب: إن هذا المزيج، بين ما نعرفه، وما نرفض الحديث عنه، يجعل الأمن التعليمي هو “الفيل في الغرفة” الذي يأبى الجميع الاعتراف به.

لا شك أن الأكاديميين وصناع القرار في إسرائيل عازفون عن طرح هذه القضية من منظور نقدي. وبالرغم من الاعتراف غير الرسمي بهذا الخلل، غاب المفكرون والمثقفون الإسرائيليون عن المشهد، ولم يبادروا بالتشكيك في الفرضيات الأيديولوجية الكامنة وراء هذه الظاهرة المنهجية أو الاعتراض عليها من خلال كتابة المقالات أو عقد المناقشات الفكرية.

الحق أن أية دراسة ناقدة للمجتمع الإسرائيلي في العقد الأخير -ولا سيما حين تشمل مواقفه تجاه العرب- توصم في الغالب بمعاداتها لإسرائيل. وعليه يعدّها السياسيون الإسرائيليون والمؤسسة الأمنية -إن افترضنا أن لديهم أخلاقا- مفتقرة إلى المسوغ القانوني والأخلاقي السليم. بل إن التقاعس طال العالم الأكاديمي الذي آثر ستر الجدل تحت طيات من التراب، “ينبغي أن نترك بعض الأشياء دون دراسة”، هكذا أنهى أحد الأساتذة العاملين في مجال الدراسات العربية إلى ميندل حين تناهى إلى علمه موضوع هذا الكتاب.

يعتقد ميندل أن هذا التجاهل المتعمّد يرجع إلى سرّ آخر، هو الآخر معروف، هناك إحساس في الواقع الإسرائيلي بأن الخبرة العسكرية وانهماكها في تدريس العربية، وكل الجوانب المدنية، أمر “طبيعي، جزء من الحياة”، بل وضروري لسلامة دولة إسرائيل.

إنه طبيعي حقا، فالشائع والمعتاد هو طمس الحدود بين المجالين المدني والعسكري في دولة إسرائيل، مما أسفر عن تبني أيديولوجية شاملة تربط السلام بالأمن، ومن ثم تحجب الخطوط الفاصلة بين المصلحة العسكرية والفضاء المدني، لينتهي الأمر إلى رفع معلمي اللغة العربية بإسرائيل شعار “العربية من أجل السلام والأمن”.

لغة الشعر الجميل جرّدها الإسرائيليون من أيّ أثر للعاطفة أو النغمة

لم يقتصر بحث الكاتب على المدارس وحدها، وإنما امتدّ ليفحص مؤسستين تعليميتين لا تنتسبان إلى وزارة التعليم التي ادّعت رغبتها في التعايش السلمي كمبرر كاذب لتدريس اللغة العربية. لدينا هنا مؤسسة “جبعات حبيبه”، وتديرها حركة كيبوتس الاشتراكية، ومعهد “أولبان عكيفا”، ويديره يميني متطرف كان عضوا سابقا في إرجون، وهي منظمة صهيونية شبه عسكرية. وهاتان المؤسستان تنتميان إلى أقصى اليمين المعادي لمجرد فكرة دولة فلسطينية. والمتوقع إذن ألا تحيدا عن منهج التعليم الرسمي نفسه في تناولهما للغتنا العربية.

لغة الجار ولغة العدو

ولكن أهكذا كان الحال على الدوام؟ إلام رمزت اللغة العربية للشعب اليهودي قبل الصراع على الأرض؟ ومتى وضعتها المنظومة العسكرية نصب عينيها من أجل الاحتفاظ بهذه الأرض المغتصبة؟ عندما ندرس وضع اللغة العربية بين اليهود على مدار المئة عام الماضية، سنجد رواية أخرى مختلفة.

يخبرنا الكاتب أن خلال الفترة السابقة على تكوّن دولة إسرائيل، وقبل حملات الهجرة اليهودية من أوروبا إلى إسرائيل، تعلّم اليهود اللغة العربية في مدارس فلسطين أو بجهود فردية، لأنها كانت ببساطة اللغة السائدة في المنطقة. وقد سهّلت إجادتها المعاملات اليومية بين قطاعات مختلفة من السكان؛ وعليه اتخذت الدراسة طبيعة نفعية عملية بالأساس، دون أية ترتيبات أمنية.

ولكن هيمنة الصهيونية على فلسطين أثّرت سلبا على وضعية اللغة، إذ بزغت جماعات ذات مصالح مختلفة، من المعلمين اليهود ومنظمات سياسية وأجهزة أمنية، لتدلي كل منها بدلوها حول الغرض من دراسة اللغة.

لم تعد معرفة العربية مجرد وسيلة للاندماج في المنطقة، وإنما سخّرت لأسباب أيديولوجية بهدف تحقيق منافع الأمن في المقام الأول والأخير. وهكذا سنجد في التحليل الأخير أن كتاب “ابتكار لغة عربية إسرائيلية” يفكك العملية التي حوّلت اللغة العربية من لغة الجار إلى لغة العدوّ.

وفي ضوء هذه السياقات الشائكة، يتجاهل ميندل سرد النظريات في سبيل عرض تقليدي يتكل أكثر ما يتكل على الملاحظات والخبرات، طارحا وجهة نظر غير معتادة للصراع الناشب بين فلسطين وجارتها المعتدية، ولكن من خلال عدسة الدراسات اللغوية، ليمتدّ كتابه “ابتكار لغة عربية إسرائيلية” بين عدة تخصصات، متنقلا من اللغويات إلى السياسة والمجتمع، ثم إلى دراسات الأمن والشرق الأوسط، ويحلل طرقا غيّر بها هذا النزاع تدريس اللغة العربية، ويسبر كيف تألفت “العربية الإسرائيلية” من خلال شبكة مغلقة من السياسيين ممن شددوا على مراعاة الاعتبارات الأمنية بدلا من الرغبة في إقامة حوار مفتوح.

15