اختباء الإخوان عند الإخوان

الاثنين 2013/11/04

كل من تابع عمليات إلقاء القبض على قيادات الإخوان من جانب أجهزة الأمن المصرية، وجد عنصرين مشتركين أساسيين لهما كثير من الدلالات السياسية والاقتصادية. أحدهما، أن المقبوض عليهم جميعا وجدوا عند أعضاء منظمين في الجماعة أو متعاطفين معها. والآخر، أن غالبيتهم تم القبض عليهم في محيط حي مدينة نصر الفاخر والمنطقة القريبة منه. وهو ما ينطبق على القيادي عصام العريان الذي لحق بسابقيه في سجن طرة الأربعاء الماضي عند قريب له ينتمي للإخوان، وفي «التجمع الخامس» الذي يبعد بضعة كيلومترات عن مدينة نصر.

الملاحظة الأولى، تؤكد أن الجماعة فقدت الثقة في كل القوى السياسية الفاعلة على الساحة، وخسرت الظهير الشعبي خارجها، عكس ما كانت عليه خلال الخمسينات والستينات. ففي هذه الفترة التي لاحقتها فيها أجهزة الأمن، في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، كان معظم من ألقي عليهم القبض مختبئين عند أصدقاء ينتمون إلى قوى سياسية يسارية مختلفة. الأمر الذي ضاعف من المجهود الذي بذلته قوات الأمن في الوصول للقيادات والقبض على الرموز المطلوبة، لأن عملية البحث كانت تستوجب توسيع نطاق الأشخاص الذين من المحتمل أن يشكلوا مأوى أو ملاذا آمنا للإخوان. لكن الآن الصورة مختلفة تماما، فلم يضبط أحد قيادات الجماعة عند شخص يساري أو ليبرالي، ليس فقط لأنها لا تثق في أي شخص خارج التنظيم، لكن لأن حبال الود انقطعت مع الجميع، بسبب التصرفات الخاطئة والمحاولات المستميتة للهيمنة والإقصاء خلال عهد الرئيس المعزول محمد مرسي.

هذه النتيجة تقودنا إلى القول أن هناك تغيرات حدثت في بنية العلاقة بين الجماعة والقوى السياسية الأخرى، عقب الوصول للحكم، لأنها قبل ذلك كانت قوية إلى حد كبير. إذن فمتغير الحكم هو العنصر الجديد، الذي كشف عن الوجه الحقيقي للجماعة، ويقوم على التقوقع حول الذات، وانعدام الثقة في كل من يقف خارجها. ومن يراجع النعومة السياسية التي اتسم بها تنظيم الإخوان في مواقفه من الآخر أثناء عهدي الرئيس الراحل أنور السادات والرئيس الأسبق حسني مبارك، يقف مشدوها أمام المرونة والثقة المبالغ فيها أحيانا بين الإخوان وقوى يسارية وليبرالية مختلفة في الحكم وخارجه، والتي وصلت بهم إلى عقد صفقات مشبوهة والدخول في تحالفات سياسية لدواعي براغماتية، ساهمت في تحقيق مكاسب للجماعة، من بينها التعامل معها على أنها من القوى الوطنية، في حين أثبتت الأيام غير ذلك. والدليل بعد الوصول للحكم «لحس» الإخوان كل وعودهم السابقة، وتعمد مكتب الإرشاد وضع العراقيل في طريق الحوار الوطني. وساهمت الأخطاء التي ارتكبتها الجماعة في قطع الخيوط السياسية بينها وبين حلفاء الأمس، فكان طبيعيا أن تبحث قياداتها عن ملاذات آمنة داخلها فقط.

أما الملاحظة الثانية، المتعلقة بالمكان، حي مدينة نصر، فهى تنطوي على مؤشر اقتصادي مهم، يتعلق بنشأة الحي وتكوينه الجغرافي. فالنشأة بدأت تقريبا أواخر عهد الرئيس الراحل عبد الناصر، والذي استمد الحي اسمه من لقب الزعيم الراحل (ناصر) وجرى تحريفه بعد ذلك إلى (نصر) لأسباب سياسية. وشهد الحي زحفا وتمددا كبيرين بدءا من السبعينات، وهي الفترة التي تبنى فيها السادات توجهات ليبرالية، ومعها انتعش سوق العقارات وشيدت آلاف العمارات بالحي. وقتها بدأت رؤوس الأموال الإخوانية، القادم معظمها من الخارج، تنهال على شراء شقق وعقارات في هذه المنطقة. وازداد الإقبال على الشراء في السنوات الأخيرة، التي شهدت فيها المنطقة توسعا عمرانيا لا مثيل له. وكان هناك تعمد في تكثيف البنايات التي يملكها أعضاء في الجماعة، حتى أن خيرت الشاطر نائب مرشد الإخوان المحبوس الآن على ذمة قضايا متعددة ركز محلاته التجارية، زاد وفتح الله، في مدينة نصر، علاوة على آخرين، تبنوا المنهج نفسه.

للاهتمام بهذا الحي ومحيطه جوانب أخرى لا تقل أهمية عما سبق، منها وجود وزارة الدفاع هناك وكل الهيئات العسكرية الحساسة أيضا، مخابرات حربية وعسكرية وأمن قومي ومعسكرات جيوش ودار الحرس الجمهوري، فضلا عن مقرات فروع الجيش المصري الأساسية والفنادق التابعة لها، علاوة على المقر الرئيسي لجهاز مباحث أمن الدولة. وكلها عوامل مغرية للإخوان، جعلت وجودهم هناك لم يكن صدفة، بل له مبررات أمنية، بدأت ملامحها تتكشف يوما بعد يوم. وكان القبض على غالبية قيادات الإخوان في مربع مدينة نصر له ما يفسره اقتصاديا. الأمر الذي انتبهت إليه أجهزة الأمن مبكرا، ونجحت في تضييق الخناق عليهم، حتى تمكنت من الوصول إلى أماكن الاختباء المركزية، ولم يتبق خارج السجون سوى عناصر هامشية أو قيادات هربت خارج البلاد. وللتمويه لجأت الجماعة إلى شراء عقارات بأسماء أشخاص تنتمي للإخوان غير معروفة إعلاميا، وليس من السهولة معرفتها أمنيا، اعتمادا على الطريقة العنقودية التي يقوم عليها التنظيم، والتي كانت عاصما لاستمراره، وأصبحت دافعا لانهياره.

إذن اختباء الإخوان عند الإخوان له أسبابه ودوافعه، التي تبين لأي مدى كان هذا التنظيم محكما، ويخطط منذ فترة طويلة للوصول إلى الحكم، من خلال صناديق الاقتراع، أو القفز عبر قنوات الفوضى التي يعمل على حفرها في الشوارع والميادين المصرية، منذ سقوط نظام مرسي بعد خروج ملايين المواطنين في الثلاثين من يونيو الماضي وما تلاه من تطورات.


كاتب مصري

9