اختبار الحل الروسي في جنيف

السبت 2016/01/30

حيرة وارتباك كبيران خيما على المعارضة السورية ممثلة بـ”الهيئة العليا للتفاوض” أثناء بحثها قرار المشاركة في محادثات جنيف التي انطلقت رسميا الجمعة. بدا واضحا أن الضغوط الدولية على المعارضة قد صعبت من مهمة اتخاذ قرار بعدم المشاركة رغم نقاط الضعف الكثيرة التي تشوب مؤتمر جنيف، وأهمها الغموض الكبير في كل التفاصيل بدءا من جدول الأعمال ووصولا إلى المشاركين.

ففي حين كانت المؤتمرات السابقة فرصة لاختبار رغبة النظام السوري في الدخول في حل سياسي، يشكل مؤتمر جنيف الحالي فرصة لاختبار جدية روسيا في المساعدة على تحقيق الانتقال السياسي. لا يبدي النظام السوري تجاوبا مع أي حل سياسي مهما كان محدوداً، وخصوصا اليوم بعد التدخل الروسي وتغيير موازين القوى بشكل جزئي ومؤقت لصالحه، ولكن السؤال هل تريد روسيا حلا سياسيا؟ وهل يستحق هذا الحل مشاركة المعارضة السورية في جنيف؟

خلال الأشهر الماضية أظهرت الولايات المتحدة وأوروبا ما هو أكثر من رغبة وأقل من إرادة للدفع باتجاه الحل السياسي. وقد كان المحفز الرئيسي للتوجه الأميركي الأوروبي الجديد هو تفاقم أزمة اللاجئين السوريين، وفشل استراتيجية محاربة داعش، فضلا عن التدخل العسكري الروسي. تجاوبت روسيا نظريا مع المساعي الغربية، فكانت ثمرة ذلك التجاوب هو بيان فيينا الذي ينص على ما لا يطيق النظام حتى سماعه: انتقال سياسي بناء على دستور جديد، فضلاً عن انتخابات رئاسية وبرلمانية. غير أن التجاوب العملي الروسي مع هذا الإعلان السياسي يبقى موضع شك، ولا يمكن اختباره إلا بانطلاق المفاوضات في جنيف بمشاركة المعارضة السورية ممثلة بـ”الهيئة العليا للتفاوض”.

ما يعزز من ضرورة المشاركة هو الوضع الذي تعيشه المعارضة السورية السياسية والعسكرية. إذ تبدو وكأنها مصابة بمرض لا أمل في الشفاء منه بجهودها الذاتية، في وقت تغيب فيه الإرادة الدولية للمساعدة وتحضر الإرادة الإقليمية ولكن بعد فوات الأوان.

تبدو المعارضة السورية في مأزق على المدى المتوسط والطويل من دون فتح أفق للحل السياسي. إذ تهيمن الكتائب السلفية الجهادية على المشهد العسكري وتتعاون بصورة وثيقة في ساحات القتال مع جبهة النصرة، وقد غابت عن تلك الفصائل الأهداف الواضحة فيما يخض مستقبل سوريا، مقابل انتشار أفكار وأهداف عدمية تضعف من موقف المعارضة السورية بصورة عامة. أما كتائب الجيش الحر التي لا تزال تحافظ على خطاب وطني عام فهي مشرذمة ولا تني تنقسم على أساس ولاءات عشائرية وعائلية. من دون حكم مركزي داخل المناطق المحررة في سوريا من قبل قوة معارضة متماسكة تمتلك رؤية سياسية واضحة، فإن تحقيق الأهداف العسكرية والسياسية يبقى بعيد المنال.

الأمل بتغيير موازين القوى خصوصا مع تدخل روسيا يبدو مستحيلا وهو ما يرفع من أهمية الانخراط في العملية السياسية لفتح أفق سياسي من جهة، ولحصد مزيد من الانعكاسات الإيجابية للعملية السياسية على المعارضة من جهة ثانية. إذ يعود الفضل للنشاط الدبلوماسي الإقليمي والغربي في تأسيس الهيئة العليا للتفاوض، أهم جسم سياسي عسكري معارض منذ انطلاق الثورة، وتشكل نواة يمكن البناء عليها في حال تعثر الحل السياسي كما يتوقع.

يحق للهيئة العليا للتفاوض أن تهدد أو ترفض المشاركة في مؤتمر جنيف سواء من باب المناورة السياسية أو كموقف مبدئي في حال لم يتم الإيفاء بشروطها الرئيسية وأهمها أن تكون الممثل الحصري للمعارضة في المفاوضات مع وفد النظام. ولكن، في حال انتزعت الهيئة الحد الأدنى من شروطها فإن مشاركتها تبدو ضرورية. من خلال مؤتمر جنيف سوف يظهر إلى أي درجة يمكن أن تذهب روسيا في عملية التغيير السياسي في سوريا بناء على أفكار بدأت تتبلور في قصر الكرملين. فهل يلبي “الحل الروسي” الحد الأدنى من شروط المعارضة السورية؟

الجواب هو لا. الحل الروسي قد يشمل تغيير الأسد، لكن بعد إعادة إنتاج نظام جديد أكثر انفتاحا على المستوى السياسي مع هيمنة شبه مطلقة لفئة قوية تكون الحارس الأمين للمصالح الروسية. التوصل إلى مثل هذا النظام يحتاج إلى استبعاد أقوى فصائل المعارضة، مقابل التعاون مع فصائل ضعيفة لا يمكن أن تعرقل سير ذلك الحل، وهو ما يفسر الإصرار الروسي على إدراج جميع الفصائل العسكرية الكبيرة على لائحة الإرهاب.

ولكن، لا يوجد مخطط نظري يمكن أن يجد طريقه نحو التنفيذ على أرض الواقع خصوصاً في بيئة محكومة بالصراع السياسي والعسكري كالساحة السورية. ما يعني أن هنالك فرصة من أجل “إعادة تدوير” الحل الروسي وإخراجه في نهاية المطاف كحل أممي يكون أكثر عدلا تجاه السوريين. إعادة التدوير تلك سوف تكون بالتصدي للحملة العسكرية الروسية الإيرانية، وبتطوير أداء الهيئة العليا للمفاوضات، ولكن أيضا، بحضور مؤتمر جنيف والإبقاء على مسار الحل السياسي.

كاتب فلسطيني سوري

9