اختبار بالون التغيير

كان خبرا يحتمل الصدق والكذب، وينتظر التوضيح، فمن غير الممكن أن نكون منفتحين على العالم ومنغلقين على أنفسنا.
الأحد 2019/01/20
حفلة الرومي في العلا تدقّ مسمارا جديدا في تابوت الصحوة

كان لا بد من لفت انتباه العالم إلى ما يحدث من تغييرات سريعة في الداخل السعودي باسم فني يحمل تاريخا كبيرا مثل السيدة ماجدة الرومي. وهذا ما حصل في احتفالات شتاء طنطورة في محافظة العلا السعودية أواخر ديسمبر الماضي، حيث استطاع المنظمون من جهة أن يدقّوا مسمارا جديدا في تابوت الصحوة، وأن يعلنوا بصوت عال موت داعش، ومن جهة أخرى أن يمرروا رسائل للعالم عن واقع التغيير الثقافي والاجتماعي والديني في السعودية التي كانت، قبل شهور بسيطة، تحرم الغناء، وتمنع تنظيم الحفلات الغنائية غير الوطنية في البلاد.

حين تم الإعلان عن مشاركة الرومي توقعت، مع كثيرين غيري، أن تكون حفلتها خاصة بالسيدات كما حصل مع شيرين عبدالوهاب في الرياض قبل عام، أو على أقل تقدير ستكون للعوائل فقط، دون السماح بدخول العزاب. وعندما تواصلت مع الجهة المنظمة للحفلة أُخبرت بأن الحفلة لجميع الفئات، وبأن التذاكر قد نفدت جميعها، وأنها ستبث على الهواء مباشرة.

مضت الحفلة بنجاح، ومررت الرسائل للعالم، لولا حدث بسيط أفسد على المنظمين، وعلينا كسعوديين، فرحة التغيير، وذلك حين توقفت القناة السعودية فجأة عن بث الحفلة التي كانت تنقل على الهواء مباشرة، وإعفاء مدير القناة وليد المجلي من منصبه.

علامة الاستفهام كبيرة جدا، فما إن أطلقت صحيفة “سبق” الإلكترونية السعودية ذائعة الصيت خبرها الذي يقول، بشكل مقتضب، بأن مدير القناة السعودية أبعد من منصبه بعد بث القناة فعالية لا تليق بها، مع مقطع فيديو مدته 11 ثانية يوضح قطع القناة لبث حفلة ماجدة الرومي والانتقال بالمشاهدين إلى الإعلانات، ما إن كان ذلك، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالسخرية والتهكم والضحك، إذ كيف “لا تليق بالقناة” الرسمية والحفلة تنقل من أرض السعودية عبر تنظيم من الجهات الرسمية؟ فهل هنال تعارض بين الجهات الرسمية السعودية!

كان خبرا يحتمل الصدق والكذب، وينتظر التوضيح، فمن غير الممكن أن نكون منفتحين على العالم ومنغلقين على أنفسنا، ومن غير المعقول أن يكون جزء من مؤسسات الدولة منفتحاً على الفنون والغناء والمسرح والترفيه بينما جزء من مؤسسات رسمية أخرى منغلق على نفسه، ولا يزال يحكم بيروقراطيته منطق ما قبل رؤية 2030؟

المفارقة كبيرة، وربما لم يستطع صانع الخبر أن يصيغه بالشكل الصحيح، فقد يكون الأمر لا علاقة له بما “يليق” وما “لا يليق” بقدر علاقته بخطة وحقوق البث المتّبعة، والتي خالفها مدير القناة فاقتضت معاقبته بشكل سريع ومباشر. لكن سرعة العقاب وقساوته تذكراننا بالأحكام العسكرية الميدانية التي لا تحتمل التأخر والمساءلة والنقاش. وهذا استفهام كبير آخر.

الرئاسة العامة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السعودي تركت الخبر دون تعليق، وكأن الأمر لا يعنيها، متناسية مقدار الدمار الكبير الذي أحدثته في الصورة العامة للمملكة في الخارج، فإذا كان السبب بالفعل متعلقا فقط بحقوق بث كان يجب على الرئاسة العامة أن تحترم مشاهديها بذكر السبب لا بجعل السعودية تحت قناصة المتربصين بها من الشامتين والحاقدين.

هذه الحادثة تجعل السؤال عن التغييرات السعودية يكبر على مستوى المساءلة الخاصة بمدى حقيقة ما يحدث، وهل المسؤولون السعوديون في الوزارات الخدمية يدركون طبيعة الكراسي الجديدة التي يشغلونها أم أن عليهم أن يجلسوا صامتين، وألّا يحاولوا اختبار بالون التغيير؟ فقد يودي هذا الاختبار بمناصبهم.

10
مقالات ذات صلة