اختتام سامبيزيوم الجم بعيدا عن مظاهر الفرح إلاّ من حرارة الضوء التونسي

ملتقى "تيسدريس الدولي للفنون البصرية" يختتم دورته الثانية بصمت مقدّس ليترك المجال فسيحا للألوان والخربشات التي أتت مُحتفية بالضوء التونسي الحار الذي طبع كل الأيقونات المُنجزة في اتفاق غير مُسبق بين جميع المُشاركين.
الثلاثاء 2019/07/30
بين حضارتين (لوحة للفنان العراقي نبيل علي)

بعيدا عن كل مظاهر الفرح، بعد إعلان تونس الحداد الوطني لمدة سبعة أيام، إثر وفاة رئيس الجمهورية التونسية، محمد الباجي قائد السبسي، الخميس، تم، مساء الأحد، بمدينة الجم التونسية اختتام سامبيزيوم ملتقى “تيسدريس الدولي للفنون البصرية” في نسخته الثانية، وذلك بمشاركة أكثر من أربعين فنانا وفنانة من تسع دول بين عربية وأجنبية.

الجم (تونس) – حدادا على وفاة رئيس الجمهورية التونسية، محمد الباجي قائد السبسي في الخامس والعشرين من يوليو الجاري، تم، مساء الأحد، بمدينة الجم التاريخية (وسط تونس) اختتام فعاليات ملتقى “تيسدريس الدولي للفنون البصرية” في دورته الثانية، بعيدا عن كل المظاهر الاحتفالية المعتادة من السامبيزيوم التونسي الدولي للفنون البصرية عدا حرارة الضوء التونسي الذي أتى العنوان الأبرز للمعرض الختامي للورشات، والذي تحوّل كما كان مُبرمجا له من مسرح قصر الجم الكبير، أو تيسدريس كما كان يُسمّى في العهد الروماني، إلى نزل “قصر الجم” أحد الرعاة للملتقى.

شهلة سومر: سحر الألوان بين أحضان الحضارة لا يزال حاضرا في تونس، رغم الفاجعة
شهلة سومر: سحر الألوان بين أحضان الحضارة لا يزال حاضرا في تونس، رغم الفاجعة

والملتقى الذي ضم أكثر من أربعين فنانا وفنانة من تسع دول هي: ليبيا والجزائر والعراق ومصر وروسيا وفرنسا وإيطاليا وأوزباكستان وتايوان، وطبعا تونس البلد المنظم، اختتم دورته الثانية بصمت مقدّس ليترك المجال فسيحا للألوان والخربشات التي أتت مُحتفية بالضوء التونسي الحار الذي طبع كل الأيقونات المُنجزة في اتفاق غير مُسبق بين جميع المُشاركين، ما يُحيل إلى استمرارية الحياة في بلد يقدّس الحياة رغم الموت/ الفاجعة لرئيس البلاد.

والفرح الصامت، أتى جامحا على صهوة حصان طائر بألوان حمراء مُتدرجّة عن اللون وتفرّعاته، علاوة على الألوان الترابية الدافئة التي تُحيل إلى حجارة قصر الجم، جاءت كلها مُتّسقة مع شعار الملتقى في دورته الثانية “سحر الألوان بين أحضان الحضارة”، حضارة بلاد بابل القديمة في تماه سلس مع حضارة تونس الثلاثة آلاف سنة ثقافة.

“بين حضارتين”، هو رسم للفنان العراقي نبيل علي الذي مازج فيه بين ثقافة بلاد سومر أو بلاد ما بين النهرين، وقصر الجم الكبير الذي كان مسرحا في العهد الروماني لمصارعات الوحوش ومعارك المصارعين وسباقات العربات، حيث كان الشعب والنبلاء الرومانيون يجلسون لمشاهدة تلك الاستعراضات، إلاّ أن علي جعل من القصر خلفية لحصانه الأحمر الجامح الراكض دون هوادة نحو أفق جمالي أساسه اللون ومنتهاه الضوء المشرقي الحار.

بدورها رسمت الفنانة التشكيلية الإيطالية أنيتا مونوسكالوكو، وهي أصيلة العاصمة روما، وجهان لامرأة كادت أن تكون واحدة، لولا ما تحمله يد كل منهما، الأولى خنجر والثانية عصفور، في استحضار ربما للحرب الضروس التي دارت في الزمن الغابر بين روما وقرطاج والتي راح ضحيتها الآلاف من الجانبين، لتأتي ابنة روما اليوم إلى تيسدريس الجم، البناء الأصغر والرديف لكولوسيوم روما لتعلن من تونس سلام الشجعان الأبدي.

والقصر الكبير بالجم أتى في أكثر من رسم لفناني الملتقى سواء من تونس أو من خارجها، حيث قدّم الفنان الليبي عبدالقادر رمضان بدر لوحة سريالية، بتقنية انسيابية تحيل ألوانها إلى القصر وحجارته وحضارته، وربما للدماء التي سالت فيه حين كان المتجالدون يتصارعون عنوة مع الأسود الضارية إرضاء لصلف الحاكم وإمتاعا لجنون الرعية.

ألوان تونسية تتحدى قتامة الحداد
ألوان تونسية تتحدى قتامة الحداد

وغير بعيد عن القصر أيضا، لكن من خلال النوافذ المطلة على الحلبة ترسم الفنانة التونسية فطيمة سامي بطريقتها الأشبه بالتكعيبية، وما هي بتكعيبية، إشعاع اللون على الفتحات/ النوافذ بتدرّج لوني للأخضر والأحمر والأصفر حينا والترابي دائما، وكأنها تهجّينا ألف باء التكوين اللوني للألوان السابقة الذكر، والراسخة في الذاكرة المُتأصلة للفنانة التونسية المقيمة منذ أزيد من عشرين عاما بلبنان، مهد الحضارة القرطاجنية الوافدة من صور الفينيقية، وكأنها تُعيد التاريخ بشكل مُخالف، فعليسة اقتحمت قرطاج، آتية من صور لتؤسس “قرط حدشت” أو العاصمة الجديدة عصرئذن، وفطيمة، ابنة الآن وهنا وهناك كذلك، عكست الغزو نحو صيدا الجنوب اللبناني، مُعلنة كما صرّحت لـ“العرب” أن “فرعنا واحد، وأملنا واحد: الضوء، الفن والانتصار للحياة حتى ونحن في أحلك ساعات الحزن التونسي بفقدنا لأول رئيس جمهورية ثانية مُنتخب بتونس المجد”.

وكم شبيه الماضي بالآتي حقيقة، والحال أن القصر الذي كان في ما مضى حلبة للصراعات الدموية بين البشر والوحوش أصبح منذ أزيد من ثلاثة عقود خشبة لأشهر الفنانين والموسيقيين العالميين، حيث ازدادت شهرته منذ سنة 1986 عندما قرّر، محمد الناصر، الرئيس المؤقت للجمهورية التونسية خلافا للرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي، وهو أصيل مدينة الجم إنشاء أول مهرجان للموسيقى السيمفونية في تونس يقام سنويا في القصر الكبير الذي استضاف ولا يزال عدة أسماء عالمية، على غرار المغنية الأميركية الملقبة بـ“الديفا” باربرا أندريكس والموسيقي الإيطالي الشهير ريكاردو موتي.

وإن توقّفت عروض المسرح الكبير بالجم إلى حين، إثر الرحيل المُفاجئ للرئيس التونسي محمد الباجي قائد السبسي، فإن “سحر الألوان بين أحضان الحضارة لا يزال حاضرا وبقوة في الجم ومن خلالها تونس، بما تركه الفنانون المُشاركون من أيقونات وجماليات في ملتقى تيسدريس الدولي للفنون البصرية في دورته الثانية، على أمل دورة ثالثة أكثر ألوانا وإشراقا وجمالا”، وفق ما صرّحت به الفنانة التشكيلية التونسية، ومنّسقة المهرجان شهلة سومر لـ”العرب” في ختام الأيام.

16