اختتام سياسي بامتياز لمهرجان القاهرة السينمائي

كان الحدث الأعظم في حفل اختتام مهرجان القاهرة السينمائي، الرسائل السياسية التي أطلقها صناع السينما العالمية نيكولاس كيدج وهيلاري سوانك وأدريان برودي في كلماتهم خلال تسلم تكريمهم الدولي من إدارة المهرجان، هذه الكلمات التي أكدوا فيها على تضامنهم مع المعركة الشرسة التي تخوضها مصر ضد الإرهاب والتطرف، كانت بمثابة رسالة للعالم.
السبت 2017/12/02
نيللي كريم ويسرا يكرمان نجوم السينما العالمية: نيكولاس كيدج وأدريان برودي وهيلاري سوانك

القاهرة – شهد حفل اختتام مهرجان القاهرة السينمائي الـ39، مساء الخميس، حضور نخبة من النجوم العالميين الذين كرّمهم المهرجان، وهم نيكولاس كيدج وهيلاري سوانك وأدريان برودي الذين أطلقوا في كلماتهم رسائل حملت مغزى سياسيا مهما، خاصة بعد الحادث الإرهابي في مسجد الروضة بسيناء الجمعة 24 نوفمبر الماضي، وراح ضحيته 309 أشخاص، وهو الحادث الذي أراد الإرهابيون من ورائه “أن تبدو مصر غير آمنة”.

نيكولاس كيدج في كلمته أعرب عن سعادته بحضوره في مصر، مؤكدا أنه جاء من خلفية مدينة لاس فيغاس التي مرّت بظروف إرهابية صعبة هي الأخرى، قائلا “من الممكن أن نكون شهداء في أي مكان في العالم، لكن هذا لن يجعل هؤلاء يخيفوننا أبدا”، الأمر الذي جعل جميع الحاضرين يقفون تحية له ويصفقون له بحرارة.

وأعرب الفنان أدريان برودي في كلمته عن حزنه لما مرّت به مصر عقب حادث سيناء الإرهابي، لافتا إلى سعادته بوجوده في مصر التي كان لديه شغف كبير لرؤيتها، ووجه الشكر لإدارة المهرجان على دعوته وتكريمه، كذلك تحدثت الفنانة هيلاري سوانك عن اعتزازها وفخرها بالتكريم في القاهرة وسعادتها بزيارة الأهرامات في منطقة الجيزة القريبة من القاهرة، معربة عن انبهارها بالبناء.

وانطلاقا من الرسالة السياسية التي حملها حفل ختام المهرجان كان افتتاح الحفل بعرض باليه راقص لمجموعة من الراقصين على لحن عذب، ووضعت شاشة كبيرة دوّنت عليها عبارات لنبذ التطرّف والإرهاب، هذه الفكرة التي تبدو شديدة الرقي والاختلاف من صنّاع المهرجان، خصوصا وأن فن الباليه هو أرقى الفنون التي يمكن بها إيصال مثل هذه الرسائل.

وكشف العرض عن أهمية الباليه كنوع من أنواع الفنون، والذي حاولت الجماعات المتطرفة تحريمه، وصدرت تحذيرات خلال سنة حكم الإخوان لمصر بضرورة عدم ممارسته.

تنظيم الاختتام تحاشى أخطاء الافتتاح، وفيه أطلقت أنغام أغنيتها الجديدة "سينما" وشدت فيها باللغة الإنكليزية

تصحيح الأخطاء

يبدو أن القائمين على تنظيم حفل ختام المهرجان الذي ترعاه شبكة قنوات “دي أم سي” المصرية أدركوا الأخطاء التي شهدها حفل الافتتاح مساء 23 نوفمبر الماضي، وظهر حفل الختام أكثر تنظيما ونجاحا.

وكان في مقدمة ذلك تدارك عدم التأخير في انطلاق فعاليات الحفل، صحيح أنه لم يبدأ في موعده وتأخر ساعة وخمس عشرة دقيقة، لكنه كان أفضل من الفوضى التي شهدها الافتتاح والتأخير ثلاث ساعات، ما دفع الحضور إلى إطلاق صيحات اعتراض على الأمر، هذا بالإضافة إلى جلوس أعداد من الصحافيين والنقاد في القاعة الرئيسية للمسرح بعد أن خلت القاعة أيضا من الحضور الذي كان متوقعا من الفنانين الذين حضروا حفل الافتتاح.

وشهد حفل الافتتاح أزمة خلو القاعة التي دفعت المنظمين إلى خلع بطاقاتهم الرسمية والجلوس حتى لا يبدو المسرح فارغا أمام الشاشات.

وشمل حفل الختام إطلاق الفنانة أنغام لأغنية جديدة تحمل عنوان “سينما”، وشدت باللغة الإنكليزية في أحد مقاطعها ما أثار إعجاب الحاضرين الذين أعربوا عن استيائهم سابقا من غناء أصالة في حفل الافتتاح ونسيانها لبعض كلماتها.

تُضاف إلى ذلك كلمات الأغنية التي قدمتها أنغام، والتي تؤكد فيها على أهمية السينما ودورها في مخاطبة العقول والأفكار، وتقول كلماتها “سينما يعني رسالة بالخير والمحبة.. حب بينور قلوبنا حبة حبة”.

وفي لفتة تقديرية للراحلة شادية التي وافتها المنية الثلاثاء الماضي، احتفت إدارة المهرجان بالفنانة بعرض مجموعة من صورها ما دفع الحضور إلى الوقوف اصطفافا لتحية الفنانة، وغلب اللون الأسود على ملابس غالبية الحضور، تضامنا مع الرسالة السياسية التي شهدها حفل الختام وحدادا على أرواح الشهداء والراحلة شادية.

وأثار فوز فيلم “المتطفّل” بجائزة الهرم الذهبي لأفضل فيلم في ختام مهرجان القاهرة السينمائي حفيظة العديد من النقاد والصحافيين، الذين أكدوا أن العمل لا يستحق الجائزة التي تمنح للعمل شديد الاكتمال.

و”المتطفّل” فيلم إيطالي بإنتاج مشترك بين فرنسا وسويسرا وبلجيكا، ويحكي عن أخصائية اجتماعية تدير ملجأً لرعاية الأطفال الذين تقوم بحمايتهم من عصابات “الكامورا” المتخصّصة في تجارة المخدرات، وهنا تكون المفارقة التي تتمثل في أن الأخصائية تستقبل إحدى زوجات أعضاء “الكامورا” في غرفة ملحقة بالملجأ بصحبة ابنتها الصغيرة وطفلها الرضيع.

أنغام تغني للسينما

ورغم محاولات الأخصائية الدفاع عن استمرار وجود هذه الفتاة زوجة أحد أفراد العصابة، إلاّ أنها تتعرض لهجوم حاد من أهالي الأطفال الذين تقوم برعايتهم في الملجأ حيث رفضوا وجودها بالقرب منهم هي وأبناؤها، خصوصا طفلتها التي تأخذها الأخصائية للاندماج والتفاعل مع الأطفال الآخرين بالملجأ وتتشاجر مع أحدهم فيما بعد.

ورغم المعنى الإنساني الذي يريد من خلاله صنّاع العمل إيصال رسالة تفيد بأهمية تقبّل الآخر أيّا كانت خلفيته التي اضطرته الظروف ليكون فيها، إلاّ أن الفيلم خلا من عناصر الإبداع في التصوير وأداء الممثلين بالرغم من اجتهاد بطلته الأخصائية الاجتماعية في تقديم دورها الذي يجمع بين مقومات الجدية والحس الإنساني.

وربما تكون رسالة تقبّل الآخر هي التي جعلت لجنة التحكيم تقرّر اختيار هذا الفيلم وسط عالم بات رافضا لهذه الفكرة، وهو ما يشير إلى رسالة سياسية خفية في هذا الاختيار.

حظ وافر للعرب

كان للفنانين العرب حظ وفير في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي حيث فازت الفنانة اللبنانية دياماند لو عبود بجائزة أفضل ممثلة عن فيلم Insyriated “في سوريا”، والذي قدّمت خلاله واحدا من أجرأ المشاهد التي قدّمت في تناول قضية الأزمة السورية واغتصابها على يد رجلين من القنّاصة ومصرع زوجها على أيديهم، كما فاز الفنان التونسي رؤوف بن عمر بجائزة أفضل ممثل عن فيلمه “تونس بالليل”، والذي اجتهد فيه في نقل مشاعر الخوف على الوطن واستشعار المخاطر أمام فساد الأنظمة السياسية.

ويضاف إلى جوائز المسابقة الرسمية فوز فيلم “اختفاء” بجائزة أفضل إسهام فني وأيضا جائزة الهرم الفضي، أما “جائزة لجنة التحكيم الخاصة” لأفضل مخرج فقد حصلت عليها لاورا مورا عن فيلمها “قتل عيسى”، والذي فاز أيضا بجائزة لجنة التحكيم الدولية “فيبرسي”.

وحصد الهرم البرونزي لأفضل عمل أول المخرج يوراغ ليهوتسكي عن فيلمه “نينا”، ونجح فيلم “الكلاب” في الفوز بجائزة نجيب محفوظ لأحسن سيناريو للمخرج مارسيلا سعيد. كما امتد الخلاف حول جوائز المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة السينمائي إلى مسابقة “آفاق السينما العربية”

بعد فوز الفيلم التسجيلي “نصر” لبديع مسعد وأنطوان واكد بجائزة صلاح أبوسيف. وهو الفيلم الذي شهد حضورا جماهيريا ضَعيفا في آخر أيام المهرجان بالإضافة إلى خروج الكثيرين أثناء العرض بسبب حالة الملل التي أصابتهم، حيث تدور الأحداث حول رحلة عمل للمخرج اللبناني جورج نصر، الرجل الذي نجح في صناعة أفلام في الوقت الذي لم توجد فيه صناعة سينما بدولته.

أناقة وحضور لافت

ورغم الاستياء من الجائزة التي حصل عليها فيلم “نصر” كانت النتيجة مرضية للحضور بعد الإعلان عن فوز فيلم “اصطياد أشباح” بجائزة سعدالدين وهبة لأفضل فيلم عربي للمخرج رائد أنضوني، وهو عمل يحكي التجارب الذاتية لأبطاله مع الأسر، خلال أحداث الفيلم المحمّل بالكثير من الأوجاع والآلام التي خلفتها هذه التجربة المريرة.

بين قبول ورفض

بالنسبة لجوائز المسابقات الأخرى في مهرجان القاهرة السينمائي، فقد فاز “البجعة” بجائزة شادي عبدالسلام، وحصل عليها المخرج آسا هيلغا هيورليفسدوتير، بالإضافة إلى جائزة فتحي فرج لأفضل إسهام فني والتي فاز بها فيلم “نجوم القرية” للمخرج ريما داس من الهند وذلك ضمن مسابقة “أسبوع النقاد الدولي”.

وفي مسابقة سينما الغد، حصل المخرج كريم رحباني على جائزة لجنة التحكيم الخاصة عن فيلمه “شحن”، كما حصد فيلم “بلا سقف” للمخرج سينا سليمي جائزة يوسف شاهين لأفضل فيلم قصير، ومنحت مؤسسة “نادين شمس للسيناريو القصير” ثلاث جوائز فاز بها سيناريو فيلم “العاشق” الذي جاء في المركز الأول و”ضرس العقل” الذي احتل المركز الثاني في حين حصل فيلم “هروب الكوماندا المهم” على المركز الثالث.

ويؤكد حفل اختتام مهرجان القاهرة السينمائي على الدور الواعي للمنظمين في بعث رسائل سياسية للعالم سواء على مستوى توحيد الملابس أو على مستوى الفقرات والكلمات التي أكّدت على نبذ العنف، ويعد هذا الختام الأكثر تميزا لرئيسته ماجدة واصف بعد الكشف عن إعلان استقالتها من رئاسته قبل أيام قليلة على حفل الختام.

وتستكمل هذه الرسائل السياسية باختيارات لجنة التحكيم الدولية للفائزين في مسابقتها، ما بين فنانة تحصد جائزة أفضل ممثلة، دياماند لو عبود، بعد رصدها وحشية ما تعرّض له الشعب السوري خلال الحرب بفيلم “في سوريا”، وفنان يعرض تسلط الأنظمة السياسية ورفضها الانتقاد، كما هو الشأن في فوز رؤوف بن عمر عن فيلمه “تونس بالليل”، بالإضافة طبعا إلى جائزة أفضل فيلم التي ذهبت إلى “المتطفّل”، حتى وإن كان هناك اختلاف في وجهات النظر حوله.

14