اختراعات الشباب نقطة ضوء في عتمة كورونا

شباب تونسيون يبتكرون روبوتات وأجهزة ذكية للوقاية من مخاطر الفايروس.
الأربعاء 2020/04/22
روبوت لمراقبة الالتزام بالحجر الصحي في شوارع تونس

حفزت أزمة كورونا الباحثين الشباب على الاختراع وابتكار أجهزة ومعدات ذكية لدعم الجهود الحكومية في تطويق الوباء، وكانت ابتكاراتهم محل أنظار وإشادة حيث ستتولى الحكومة تمويل البعض منها لمواجهة الجائحة، وعلى الرغم مما أبدته السلطات من دعم للشباب، يقول متابعون إنه مجرد دعم ظرفي فرضته الأزمة الصحية وحالة العزلة الدولية التي استوجبت الاستعانة بالكفاءات والحلول المحلية.

تونس - في خضم المعركة ضد وباء كورونا المستجد ووسط سيل من الأخبار المقلقة التي رافقت خاصة حالات الوفيات والمخاوف من ارتفاع الإصابات والعدوى وما يترتب عليه من تمديد للعزل الصحي، تلقى التونسيون أخبارا إيجابية حين تمكن باحثون شباب من اختراع أجهزة تعوض نقص المعدات الطبية والتقنية وتمد يد المساعدة للدولة، لمقاومة هذا الوباء والانتصار عليه.

كانت اختراعات الشباب نقطة ضوء لجيل متحمس أراد كسر ظلمة وباء قاتل، وأعادت ابتكاراتهم الثقة للتونسيين في قدرة بلدهم المنهك اقتصاديا واجتماعيا منذ اندلاع ثورة يناير 2011، على تجاوز الصعوبات بحلول ذاتية نابعة من طاقات شابة، دون الاكتفاء بمساندة الدول المانحة والمنظمات الدولية.

أطلق الباحثون الشباب العنان للإنجاز وابتكار مبادرات تكون عونا للدولة في محنتها الصحية؛ من روبوت لحثّ التونسيين على احترام الحجر الصحي العام، إلى روبوت آخر يقوم بتعويض الإطار الطبي وشبه الطبي حتى لا يحتك بالمصابين بكورونا، ثم تحويل جهاز الغطس إلى جهاز للتنفس يستعمل في المستشفيات وصناعة أقنعة طبية واقية، وغيرها من الاختراعات النوعية.

ورغم ما أحدثته ابتكارات الشباب، التي تحدت الوباء، من بارقة أمل إلا أنها تطرح جملة من الأسئلة تتعلق بتوقيتها، حيث باتت مثل هذه الإنجازات الشبابية لا تظهر إلا في وقت الأزمات. وفيما يلاحظ خبراء أن منطق “الحاجة أم الاختراع” وراء تزايد وتيرة الاختراع في ظل أزمة حالة الطوارئ الصحية وحفز الشباب على الإبداع، يسلط آخرون الضوء على تحديات تواجه طريق المخترعين في تونس من أبرزها قلة الإمكانيات وانصراف الدولة عنهم، ما خلق حالة من الكسل البحثي.

قصص نجاح

روبوت مخصص للمؤسسات الصحية والإدارية والأماكن المغلقة
روبوت مخصص للمؤسسات الصحية والإدارية والأماكن المغلقة

شهدت تونس موجة من الابتكارات في أعقاب ظهور فايروس كورونا، وكانت الابتكارات التي أثبتت نجاعتها محل متابعة وسائل الإعلام والرأي العام المحلي. تابع التونسيون أنباء الاختراعات بالكثير من الإعجاب، لكنه إعجاب أكبر بشباب تحدوا التهميش وضعف التمويل ومحدودية الإمكانيات.

وفيما كانت الحكومة حديثة النشأة متخبطة في أزمة اقتصادية حادة وصراع سياسي مرده معركة الصلاحيات بين السلط الثلاث، وبينما اختارت الأحزاب النأي بنفسها عن أزمة لا مصلحة انتخابية من ورائها، قدم شباب من خيرة كفاءات البلاد حلولا تدعم جهود وزارة الصحة في مقاومة الوباء.

وعلى سبيل المثال قام كل من الباحثين معز محروق وحسام الدين بن جمعة باختراع روبوت للوقاية من مخاطر كوفيد – 19.

معز محروق: واجهتنا عدة إشكاليات منها صعوبة توفر القطع الإلكترونية
معز محروق: واجهتنا عدة إشكاليات منها صعوبة توفر القطع الإلكترونية

ويشرح معز محروق في حديثه لـ”العرب” مهام هذا الروبوت. ويشير إلى أنه “وقع تصميمه خصيصاً للوقاية من فايروس كورونا المستجد بمركز التكوين الخاص ‘Think – Tech’ في مدينة قابس (جنوب)، وهو روبوت مخصص للمؤسسات الصحية والإدارية والأماكن المغلقة إذ بإمكانه التنقل بسهولة تامة داخل الغرف والأقسام والأروقة لحماية الطاقم الطبي والعملة”.

 وأوضح “تم تصميمه بالقياسات التالية: (ارتفاعه: 68 صم، وطوله: 60 صم، عرضه: 55 صم)، وباعتماد تكنولوجيا متوفرة ويمكن التحكم فيه بواسطة جهاز تشغيل عن بعد أو بواسطة الهاتف… كما أنه مزود بكاميرا للرؤية عن بعد، وهو قادر على ضمان تعقيم بدرجة ممتازة إذ بإمكانه استيعاب 9 لترات من السائل المعد للتعقيم والعمل مدة ثلاث ساعات متواصلة دون انقطاع باستخدام خليط من الأشعة فوق البنفسجية والرذاذ المعد للتعقيم”.

ويضيف محروق “يمكن تطوير هذا الروبوت ليكون سهل الاستخدام في تقديم الوجبات والأدوية للمرضى بما يساهم في التقليص من التواصل المباشر بين الأشخاص. كما أننا قمنا بزيارة أهل الاختصاص في مجال التعقيم لكي نقوم بالتحسينات الضرورية”.

ولحث التونسيين على احترام الحجر الصحي العام، شرعت وزارة الداخلية التونسية في تشغيل روبوت يتجول في الشوارع لمراقبة الالتزام بالحجر الصحي الذي أقرته السلطات في البلاد منذ 22 مارس الفائت للحد من تفشي الجائحة.

الروبوت على شكل عربة صغيرة بأربع عجلات، وبدأت تجربته داخل الشوارع الرئيسية في العاصمة تونس وقد شد انتباه التونسيين وهو يتوجه لهم بالخطاب “يجب احترام القانون والالتزام بالحجر الصحي وعدم مغادرة البيوت تفاديا لانتشار العدوى وحفاظا على أرواح الناس”.

يُصنَّع الروبوت “بي غارد” ويباع لشركات في الخارج منذ العام 2015 وابتكره الطالب في الجامعة التونسية أنيس السحباني وهو متخصص في صناعة الروبوتات وقد أنشأ شركة “إينوفا روبوتيكس” في محافظة سوسة، شرق البلاد، ومنح عدداً من الروبوتات كهبة لوزارة الداخلية التونسية.

كما تشرع الشركة المصنعة في تجربة روبوت آخر من صنف مختلف داخل مستشفى في محافظة أريانة بالقرب من العاصمة تونس يمكِّن المريض من التواصل مع أفراد عائلته.

وفي نماذج نجاح أخرى، تمكّن طلبة المدرسة الوطنية للمهندسين في سوسة وأساتذتهم، بالتعاون مع كلّية الطب في الجهة، من إنتاج جهاز تنفس اصطناعي تونسي خالص، يتميّز بخاصيات عالية الجودة. ذلك أنّه يمكّن من ضخ كمّية معتبرة من الهواء والأوكسجين في وقت قياسي، إذ يساعد المريض المصاب بقصور رئوي في الحصول على 30 لترا من الأوكسيجين الصافي النقي. كما تمكن مهندسون شبان في مدينة جندوبة وطلبة المعهد العالي للدراسات التكنولوجية في المدينة من صناعة روبوتات مسيّرة، مجهّزة بكاميرا، ومبرمجة للتنقل داخل أروقة القسم المخصص للمصابين بفايروس كورونا. وتؤمّن هذه الروبوتات تعقيم الغُرف، وإيصال الغذاء والدواء إلى المرضى على نحو يُقلّل من انتشار العدوى.

وفي مدينة نابل تمكن الشاب محمد رضا مليكة من ابتكار روبوت مختص في عمليات التعقيم في الفضاءات العامة.

ونجح مهندسون تونسيون في إعادة تدوير الحاويات المهملة في ميناءي العاصمة برادس وحلق الوادي، وإلحاقها بأغلب مستشفيات البلاد لتكون مخصصة لإجراء اختبارات التحاليل لمن يشتبه بالتقاطهم للفايروس وعلاجهم.

وقام المهندسون بتحويل الحاويات إلى غرف طبية عازلة مطابقة للمعايير في خلال أيام فقط بدأت من مدينة صفاقس وسط تونس، لتشمل بعد ذلك كل مستشفيات البلاد.

ويتوقع أن تحدّ هذه الخطوة من المخاوف بشأن مدى قدرة المؤسسات الصحية العمومية في تونس على الصمود أمام الوباء في حال تفشّى بسرعة أكبر.

وستعمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على تمويل بعض هذه المشاريع لمواجهة كورونا. وأوضح وزير التعليم العالي سليم شورى في تصريحات صحافية مؤخرا خلال زيارته لجامعة مدينة صفاقس (جنوب)، للاطلاع على مقترحات مشاريع قدمها أساتذة ومهندسون بالجامعة، لمواجهة الجائحة، أنه “سيتم تحويل عدد من المشاريع المقترحة من قبل نخبة من الأساتذة الجامعيين والمهندسين في صفاقس، لمواجهة فايروس كورونا، إلى مشاريع صناعية ملموسة”.

ومن هذه المشاريع صناعة طائرات استطلاع مسيرة للتواصل مع المواطنين واكتشاف المصابين منهم بفايروس كورونا، وأجهزة تنفس اصطناعي، وأقنعة طبية واقية.

وفيما يفسر المتابعون موجة الابتكارات والمبادرات التي أطلقها الشباب بشعار “الحاجة أم الاختراع”، إلا أن إبداع الشباب لم يقتصر على أزمة كورونا بل امتد على مدى سنوات طويلة، ما قبل ثورة يناير وما بعدها. ويشير هؤلاء إلى أنها غيبت أيضا نتيجة التعتيم الإعلامي في فترة النظام السابق، ولاحقا لانشغال الدولة بمرحلة الانتقال الديمقراطي وتكلفتها الصعبة خاصة بالنسبة إلى الشباب.

صعوبات عدة

منذ اندلاع ثورة يناير تفاقمت مشاكل الشباب، وفيما يشكو هؤلاء من البطالة والتهميش، غاب الاهتمام أيضا عن الكفاءات وبحوثها العلمية، ولم يكن الدعم المقدم لها كافيا ما شجع عددا كبيرا منها على الهجرة بمجرد تلقّي عروض مغرية.

وعلى الرغم من الصعوبات ومحدودية الإمكانيات وضعف التمويل والتحفيز، اختار باحثون البقاء في بلدهم ودعمه بمشاريعهم وبإمكانياتهم الخاصة.

أمين الغرياني: البيروقراطية المستشرية تعيق طريق المخترعين الشبان
أمين الغرياني: البيروقراطية المستشرية تعيق طريق المخترعين الشبان

ومن بين هؤلاء المخترع الشاب أمين الغرياني الذي تحدى الصعوبات وآمن بطموحه وقدراته العلمية. وهو شاب تونسي متحصل على الدكتوراه من جامعة جون جوريس الفرنسية عن بحث في تحويل بقايا الزيتون إلى حبر يستعمل في شحن خراطيش الآلات الطابعة.

وأوضح الغرياني لـ”العرب” أن اختراعه يتمثل في “استخراج ألوان طبيعية بديلة عن الألوان الكيميائية وحبر للآلات الطابعة من مواد متروكة وهي بقايا الزيتون”.

وعبر هذه التجربة تمكن من تمثيل تونس في عدة معارض أوروبية ومسابقات دولية وتحصل من خلالها على الجائزة الأولى للرئيس الفرنسي والجائزة الرابعة في موسكو وجائزة ليوناردو دي فنشي للإبداع.

ويشير إلى أن ميزة هذا الاختراع أنه طبي يحمي البيئة، كما أنه سيتجسد في مشروع صناعي بشراكة تونسية ألمانية في مدينة المحرس في أواخر عام 2021 وسيوفر أكثر من مئة موطن شغل.

وحاليا، هو بصدد الاشتغال على منتوج جديد في نفس السياق عبر صناعة مواد تجميل طبيعية محلية، كخطوة للحد من التصدير حسب الغرياني.

ويجمع الباحثون الشباب على أن طريقهم ليس مفروشا بالورود في ظل غياب التحفيز الحكومي ونقص التأطير وتواضع مخابر البحث.

ويشير أنيس السحباني مخترع روبوت وزارة الداخلية في تصريح لـ”العرب” إلى أن “الثقة ضئيلة في قدرات الشباب في تونس وهي ظاهرة أقل في المجتمعات الغربية التي تراهن على الابتكار والتكنولوجيا”. لافتا إلى أن “الحدود المغلقة في أزمة كورونا فرضت على الدول الاستعانة بكفاءاتها”.

ضعف الدعم الحكومي

يوضح الباحث معز المحروق أنه وقع تصميم الربوت بإمكانيات خاصة، وسلط الضوء على العديد من الإشكاليات التي واجهته في ظل الظروف الراهنة، منها صعوبة توفر القطع الإلكترونية والمواد الأولية، كما أن العائق المادي كان من أهم الإشكاليات حسب تعبيره.

ودعا الجهات المعنية إلى تقديم الدعم المعنوي والمادي لكي “نتمكن من إنجاز مشاريع أخرى نحن بصدد الإعداد لها”. وتابع “لقد قام بزيارتنا عدة مسؤولين على المستوى الجهوي وقد أبدوا إعجابا كبيرا بالمشروع ووعودا بالإحاطة والتشجيع”.

أنيس السحباني: الثقة في قدرات المخترعين الشباب ضئيلة في تونس
أنيس السحباني: الثقة في قدرات المخترعين الشباب ضئيلة في تونس

أما أمين الغرياني فيقول إن من أبرز المتاعب التي واجهته في مجال البحث العلمي والاختراع “مشكلة البيروقراطية المستشرية في البلاد، وهي مشكلة يتعرض لها كل باحث ومخترع في البلد”.

إضافة إلى ذلك يشكو الغرياني من ضعف الدعم والتمويل في ظل التهميش المتواصل لفئة المخترعين الشبان. وأشار إلى أنه قام بتنظيم عدة معارض دولية في مجال البحث العلمي والاختراع بصفته رئيس الجمعية التونسية للبحث العلمي والابتكار والملكية الفكرية، لكن دعم الدولة للمشاريع المبتكرة كان محتشما جدا كي لا نقول إنه غائب. وفي حال استمر تهميش المبدعين والمخترعين، لا يستبعد الغرياني لجوء العديد منهم إلى خيار الهجرة والالتحاق بالجامعات الأوروبية التي تولي المخترعين اهتماما كبيرا، محذرا من تزايد ظاهرة هجرة الكفاءات مع مغادرة 90 ألف كفاءة تونسية في السنوات الأخيرة.

وتزايد نزيف هجرة الكفاءات العلمية والطبية في تونس خلال السنوات الأخيرة، وبحسب الإحصائيات هاجر نحو 95 ألف تونسي من البلاد، 78 في المئة منهم جامعيون، نتيجة البطالة وضعف الرواتب وتواضع إمكانيات البحث العلمي.

وتسعى الحكومة التونسية لتدارك ضعف الدعم المخصص للمخترعين الشبان. وأقر رئيس الحكومة التونسية إلياس فخفاخ خلال اطلاعه مؤخرا على المعرض الافتراضي “صنع في تونس” أنّه “بات من الضروري التفكير اليوم في وضع سياسات عمومية ووطنية تدعم البحث العلمي والاختراعات في مجالات متعددة. وأشار إلى أن “هذه الاختراعات تثبت أن تونس لها كفاءات قادرة على المنافسة”.

وحسب الفخفاخ “تهدف هذه الاختراعات لحماية البلاد في المجال الرقمي الذي يغزو العالم دون عقد أو خوف من هذا التطور العالمي”.

وعلى رغم الصعوبات الاقتصادية، تحاول وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تمويل البحوث العلمية. وحسب وسائل إعلام محلية ترصد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سنويا تمويلات بقيمة 4 ملايين دينار لتمويل البحوث التي يشارك فيها باحثون من عدة اختصاصات.

12