اختراقات أمنية تهدد تحركات الجنود الأميركيين في المنطقة

تعرضت منظومة الأمن الأميركي إلى خرق كبير بعد أن كشفت خارطة نشرت على الإنترنت لتتبع مستخدمي الأجهزة الرياضية الذكية أو تطبيق للياقة البدنية، قدرتها على نقل معلومات حساسة عن مواقع وأنشطة جنود في قواعد عسكرية أميركية. والخارطة التي أطلقتها شركة “سترافا لابز” تظهر تحركات الجنود الأميركيين في مناطق النزاع، وتشير إلى مدى السهو الأمني الكبير الذي حل بالاستخبارات الأميركية، حيث بإمكان الجماعات المتطرفة الاطلاع عليها، لتكون بمثابة آلية جديدة ينتهجها خصوم واشنطن ضدها، من خلال اعتمادهم على وسائل الاتصال الحديثة لترصد تحركات الجنود والهجوم على المواقع العسكرية، ومن المتوقع أن تتكثف الاختراقات الأمنية في المرحلة المقبلة لمنع واشنطن من فرض وجود عسكري مستقر في المنطقة، وبذلك ستكون جيوش العالم وخاصة الجيش الأميركي أمام تحديات مختلفة مقارنة بحرب العراق أو أفغانستان، فالمخاطر التي تتعرض لها لم تعد كما كانت في السابق.
الثلاثاء 2018/01/30
المخاطر التي تتعرض لها القوات الأميركية لم تعد تقليدية

واشنطن – أبدت مصادر في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مخاوف من التقارير التي تحدثت عن إمكانية إطلاع المنظمات الإرهابية في الشرق الأوسط على خارطة التواجد العسكري الأميركي والطرقات التي يسلكها الجنود الأميركيون.

ولفتت هذه المصادر إلى خطورة التطبيقات الهاتفية التي يستخدمها العامة من أجل مراقبة لياقتهم البدنية على أمن الجنود الأميركيين الذين يستخدمون نفس هذه التطبيقات أثناء تجوالهم العادي أو أثناء تمارينهم الرياضية المعتادة.

وذكر البنتاغون أنه “يدرس” الوضع. وقالت الناطقة باسم الوزارة الميجور اودريشا هاريس إن “وزارة الدفاع تأخذ أمورا كهذه على محمل الجد”.

وأضافت أن الوزارة “تراجع الوضع لتحدد ما إذا كان الأمر يقتضي القيام بتدريبات أو إعطاء توجيهات إضافية، وما إذا كان إعطاء توجيهات إضافية لضمان الأمن المستمر لعناصر الوزارة في الوطن والخارج”.

وأضافت المتحدثة أن البنتاغون “يوصي بالحد من الحسابات الشخصية على الإنترنت ولا سيما الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي”.

استغلال وسائل التواصل الحديثة

تكشف بعض المعلومات من خلال الرصد المتراكم للجماعات الإرهابية مدى امتلاك هذه الجماعات لكفاءات عالية في المعلوماتية كما في استخدام وسائل التواصل الحديثة لا سيما تلك المرتبطة بالأقمار الصناعية.

وأكدت المعلومات أن المنظمات الإرهابية تجيد اقتفاء مسارات خصومها من خلال اختراقها لمنظومات معقدة تكشف أماكن تواجدهم والطرق التي يسلكونها، ما يميط اللثام عن أهم أبجديات الأمن والسرية الخاصة بالأفراد، وهو أمر كارثي عندما يتعلق بالعسكريين.

وتُظهر خارطة عالمية مرتبطة بأجهزة لمراقبة اللياقة البدنية عند الرياضيين الطرق التي يسلكها مستخدمو هذه الأجهزة بمن فيهم الجنود، ما قد يكشف معلومات حساسة حول القوات الأميركية وحلفائها في أماكن انتشارها في العالم بما في ذلك العراق وسوريا.

وترجح أوساط متخصصة أن الجماعات الإرهابية التي قد تكون مدعومة من أجهزة مخابرات مخترقة أو متعاونة تستطيع الحصول على خارطة شفافة لمواقع العسكريين وحركتهم، وهو أمر كان يحتاج إلى جهود جاسوسية معقدة تشمل زرع العيون والجواسيس داخل صفوف الخصم.

شل قدرة القوات العسكرية على التحرك الآمن خارج القواعد ينزع من الوجود العسكري جاهزيته لتنفيذ سياسات واشنطن عسكريا

وتعترف مصادر البنتاغون بأن بعض القواعد العسكرية معروفة لدى الجماعات التي قد تنوي استهدافها، لكن الخارطة تكشف الطرق التي يسلكها الجنود خارج القواعد، وهي معلومات قد تستخدم في التخطيط لعمليات تفجير أو لنصْب كمائن.

والخارطة التي أطلقتها شركة “سترافا لابز” تظهر تحركات مستخدمي العديد من أجهزة اللياقة البدنية المرتبطة بتطبيق الشركة كاشفة كثافة استخدام طريق معين، أي ما يعرف باسم “الرؤية المباشرة لشبكة سترافا العالمية للرياضيين”. وتضيء الخارطة المسالك التي يعتمدها الرياضيون في مناطق واسعة في بعض البلدان، لكنها تبقى خارج التغطية في أماكن محددة.

وترى دوائر أمنية أميركية أن السياسة التي تعتمدها الإدارة الأميركية الحالية برئاسة دونالد ترامب اختارت الانخراط أكثر في دول الشرق الأوسط، لا سيما العراق وسوريا وأفغانستان، وأن الاستراتيجية التي أعلنها مؤخراً وزير الخارجية ريكس تيلرسون حول سوريا أيقظت خصوماً كثيرين في المنطقة سواء على مستوى الجماعات الإرهابية أو على مستوى العواصم المنخرطة والمعنية بشؤون المنطقة، وأن احتمال استهداف الوجود العسكري الأميركي بات احتمالا مرجحا وأن الاختراقات الأمنية ستتكثف في المرحلة المقبلة لمنع واشنطن من فرض وجود عسكري مستقر في المنطقة.

وفي مراجعة لتطبيق “سترافا” تشير خارطة العراق الداكنة في جزئها الأكبر إلى استخدام محدود للتطبيق هناك، لكن سلسلة من القواعد العسكرية المعروفة التي نشر الأميركيون وحلفاؤهم قوات فيها في إطار الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية تظهر بتفاصيلها.

وهذه تشمل مناطق التاجي شمال بغداد والقيارة جنوب الموصل، والأسد في محافظة الأنبار. وتظهر أيضا مواقع صغيرة على الخارطة في شمال وغرب العراق تشير إلى وجود منشآت عسكرية أقل شهرة.

وتنقل التقارير عن جنرالات سابقين في الجيش الأميركي أن الخطورة لا تكمن في مسألة القواعد العسكرية فهي معروفة وترصدها أي خرائط، ثم إن الجيش الأميركي يتعامل معها بوصفها مقرات علنية تسهل حراستها كما يصعب استهدافها من قبل قوات تابعة لدول المنطقة وفق الاتفاقات الدولية.

ويلفت هؤلاء إلى أن الخطورة تكمن في حركة الجنود خارج قواعدهم والذين يندرج استهدافهم -حتى لو كان من قبل بعض الدول المعادية- في إطار عمليات الإرهابيين المجهولين أو المتعددي الانتماءات. وتؤكد هذه المصادر أن شل قدرة القوات العسكرية على التحرك الآمن خارج القواعد ينزع من الوجود العسكري جاهزيته لتنفيذ سياسات واشنطن المرتبطة بالعمل العسكري.

وتؤكد التقارير أن الأكثر خطورة في هذا الكشف هو القدرة على تحديد خارطة الطرق الممتدة خارج القواعد ما يعني أن مستخدمي سترافا من الجنود أبقوا أجهزتهم مشغلة خلال تنقلهم، ما يسمح بتقديم تفاصيل حول الطرق التي يستخدمونها بشكل منتظم.

وتظهر الخارطة نشاطا كبيرا لمستخدمي التطبيق في قاعدة باغرام الجوية في شمال كابول، وفي مناطق أخرى في جنوب وغرب البلاد.

المنظمات الإرهابية تجيد اقتفاء مسارات خصومها من خلال اختراقها لمنظومات تكشف أماكن تواجدهم والطرق التي يسلكونها

خارطة سترافا

كان المحلل الأمني توبايس شنايدر -وهو أحد الذين تمكنوا من تحديد القواعد العسكرية تبعا لاستخدامات أجهزة مراقبة اللياقة- قد أشار إلى أن خارطة سترافا تكشف مواقع عسكرية في سوريا والعراق إضافة إلى قاعدة ماداما التي تستخدمها القوات الفرنسية في النيجر.

وكتب على تويتر “في سوريا تضاء على الخارطة قواعد التحالف ليلا. بعض الأضواء تدل على مواقع روسية لكن ليست هناك أي أضواء مهمة لقواعد إيرانية”.

وأضاف أن “كثيرين ينبغي أن يحضروا دروسا صباح الاثنين”، في إشارة إلى الجنود الذين كشفوا عن غير قصد معلومات حساسة خلال سعيهم للاحتفاظ بلياقتهم البدنية.

وقال إن “القواعد ثابتة ومن الصعب حجبها”، مضيفا “أكبر تهديد محتمل هو تتبع حركة الجنود”.

غير أن بعض الخبراء في شؤون أمن المعلومات قللوا من هذا الضجيج المثار حول الأمر واعتبروا أن القوات العسكرية بإمكانها إما الامتناع عن استخدام هذه التطبيقات وإما منع هذه التطبيقات من توفير معلومات تعرّض الجنود للخطر وهو أمر بالإمكان السيطرة عليه.

حتى شركة سترافا نفسها ترى أنه كان من الممكن تفادي المشكلة بسهولة كبيرة، إذ ما على الرياضيين إلا قطع تواصلهم مع الخارج أثناء تنقلاتهم بما يعيق اقتفاء حركتهم عبر شبكات الأقمار الصناعية.

ويرصد المراقبون للشؤون العسكرية تحولا كبيرا في حجم التحديات التي تواجه الجيوش الحديثة بما في ذلك الجيش الأميركي مقارنة بتلك التحديات في حرب الخليج أو غزو العراق وأفغانستان، ويقرّون بأن المخاطر التي تتعرض لها القوات الأميركية لم تعد تقليديةً ومعهودةً يمكن توقعها.

ويضيف هؤلاء أن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية في الولايات المتحدة لم تعد تتواجه مع أجهزة مضادة معروفة في أساليبها وإمكاناتها، بل إن امتلاك الخصوم لتكنولوجيات التواصل الحديثة زهيدة الثمن بات يقضّ مضجع الساهرين في واشنطن على أمن التواجد العسكري الأميركي في الخارج.

6