اختزال الانتصار الفلسطيني على إسرائيل في استقالة وزير

لدى الحركة الإسلامية تكتيكا مفهوما في مسيرتها، يقوم على رفض الانصياع لنتائج حوارات وقف الانقسام عندما تمتلك أوراقا مؤثرة، والعكس صحيح.
الخميس 2018/11/15
احتفال حماس باستقالة ليبرمان يأتي ضمن مغازلة الشعب الفلسطيني في سياق الخلاف العميق مع حركة فتح

يختزل احتفال حركة حماس باستقالة وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الأربعاء، الكثير من المسافات السياسية، ويعبر عن طبيعة التدهور الذي وصلت إليه الأوضاع الفلسطينية، لأن السبب الرئيسي للاستقالة أصلا يكمن في المزايدة حول أي من القيادات الإسرائيلية أكثر تطرفا.

لم يكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من الحمائم في أي وقت، والحروب التي شنتها قوات الاحتلال على قطاع غزة في الأعوام الماضية كانت كلها في عهده، ورأى أن أضرار استمرار القصف أكثر من مكاسبه كرئيس حكومة يعاني من مشاكل داخلية كثيرة، ولديه طموحات إقليمية كبيرة، في الاستفادة من لحظة الضعف العربية الحالية.

أرادت حماس وجبهتها القطرية والتركية والإيرانية البحث عن نصر معنوي قريب، فوجدت في استقالة ليبرمان وسيلة للمزايدة وتصويرها كأنها نصر مؤزر، بينما من الممكن أن يعود الوزير المستقيل إلى منصبه، أو يستحوذ على حقيبة أخرى، فقط كان وزيرا للخارجية من قبل، أو يظهر كمعارض شرس يطرب لخطابه كثيرون.

كما أن تركه حقيبة الدفاع لا يعني أن أحدا أقل تطرفا سيحل مكانه، أو شبح الحرب على غزة تلاشى تماما، لأن ما يجري عملية تباديل وتوافيق يقوم بها المسؤولون في إسرائيل لأهداف سياسية وعسكرية، تدور حول أيهم يستطيع حصد المكاسب، أو تقليل الخسائر السياسية.

يكشف إصرار قيادات حماس على تسويق الاستقالة على أنها نصر عسكري، حجم البؤس الفكري الذي وصلت إليه، والتغطية على الضحايا المدنيين الذين ذهبوا سدى نتيجة تصورات ضيقة وأحلام زائفة، فكل مؤشرات الحرب كانت تلوح في الأفق، الأيام الماضية، ومع ذلك صممت حماس على الانجرار خلفها، ما وجدت فيه القيادة الإسرائيلية مصلحة داخلية بامتياز.

أصبح السعي إلى الحرب مطلبا لدى البعض، بزعم أنها ستخرجهم من ورطاتهم السياسية، على اعتقاد أن ضجيجها يُنسي المواطنين الأزمات الاقتصادية المتراكمة في القطاع، ويجعل الناس في إسرائيل يتجاهلون اتهامات الفساد التي تلاحق نتنياهو.

قد يكون التلويح بها ملاذا مؤقتا هنا وهناك، لكن تحولها لدى حكومة إسرائيل وحماس إلى هدف في حد ذاته أكد حجم التغير في المعطيات، ما أدى إلى الوصول إلى مربع التصعيد، الذي جرى كبحه بصعوبة، مساء الثلاثاء، لأن استمراره لفترة طويلة يفضي لنتائج سلبية على الجانبين.

لم تعد فكرة الحرب المحدودة أو المناوشات المتقطعة من السهولة السيطرة عليها في غزة، فوسط التجاذبات داخل حركة حماس، وبينها وبعض أجنحة المقاومة، قد ينفلت زمام الأمور، وتتجاوز اللعبة القواعد المنضبطة المرسومة، لأن أي حرب في القطاع قد تتجاوز حدوده الجغرافية، أو تخلف وراءها روافد إقليمية، لن تستطيع القوى الدولية المؤثرة السماح بها.

يأتي أيضا احتفال حماس باستقالة ليبرمان، ضمن مغازلة الشعب الفلسطيني في سياق الخلاف العميق مع حركة فتح، والتأكيد أنها “جبهة سياسة ومقاومة”، فعندما تحاورت مع إسرائيل، من خلال الوسيط المصري والأممي، للتفاهم حول تهدئة قصيرة أو طويلة، فهذا لن يقود إلى التخلي عن سلاح المقاومة، الذي وضعته السلطة الفلسطينية بين مطالبها للمصالح الوطنية.

عندما تصور حماس الأمر على أنه كسر لأنف ليبرمان، فهذا معناه إدانة لفتح والسلطة وإسقاط ضمني لمطلب نزع سلاح المقاومة، فالصواريخ والطائرات الحارقة التي تطلق من غزة هي الوحيدة القادرة على إجبار إسرائيل للرضوخ، ربما يكون في الجانب وجاهة نظرية في أهمية السلاح للمواجهة، لكن أي صواريخ وطائرات ورقية تواجه الآلة الإسرائيلية؟

تدرك حماس والعالم أن توازنات القوى غير موجودة على الأرض، وفكرة الضغط عبر الآلة العسكرية محفوفة الآن بمخاطر كبيرة، لأنها يمكن أن تفضي إلى إنهاء قوة حماس المسلحة، التي راكمتها على مدار السنوات الماضية.

باتت قيادات الحركة على اقتناع بأن المناوشات المحسوبة السبيل الوحيد للاحتفاظ بصيغة “لا سلام ولا حرب”، وهي أيضا تمثل مطلبا إسرائيليا، فليست هناك حاجة أو مصلحة عاجلة للسلام، أو نزع سلاح حماس، لأن المقاومة المدخل الذي تستخدمه كل حكومة في إسرائيل لتقليص نفوذ الحركة وزيادة حدة الانقسام، ومبرر يتم استغلاله لتغيير توجهات الرأي العام في الداخل الإسرائيلي، لذلك حقق التصعيد المحدود هدفه لكل من نتنياهو وليبرمان وحماس.

وجد نتنياهو في غزة جبهة سهلة لينسى الرأي العام اتهاماته المتتالية بالفساد، ولم يعد كثيرون يتذكرون الجرائم المالية التي ارتكبها، وأضحى حديث الحرب والهدوء والانتخابات وشكل الحكومة طاغيا، وهل وقف القصف مفيد أم ضار؟ هكذا تحول هذا النوع من النقاشات إلى محور رئيسي في إسرائيل؟

نجح ليبرمان في تسليط الأضواء عليه كمتشدد كبير، وسوف تؤدي عملية استقالته المعلنة بطريقة مسرحية إلى كسب المزيد من المؤيدين في الانتخابات المقبلة، ويعد نتنياهو (بكل جرائمه) إلى جواره من الحمائم، فلا يزال أفيغدور يحلم بتولي مقعد رئيس الحكومة، مستفيدا من الاتجاه الشعبوي الكاسح في دول كثيرة.

بالطبع إسرائيل مهيأة لمزيد من الصعود لهذا التيار، ما يضرب كل التوجهات الرامية للتسوية السياسية في مقتل، وقتها قد يترحم الفلسطينيون على صفقة القرن المجهولة، والتي لا تمثل تسريباتها الحد الأدنى لطموحاتهم.

تؤدي القراءة المبتسرة لبعض التطورات إلى خلل جسيم، وعندما تفخر حماس كثيرا باستقالة ليبرمان، وترى فيها نصرا فهذا معناه أن تعاملها مع القضية الفلسطينية محكوم بنظرة ضيقة، لأن السكرة ستذهب اليوم أو غدا وتأتي الفكرة، وكيف تتعامل الحركة مع ملفات الانقسام والمصالحة وتوابعهما، والتهدئة.

إذا كانت المصالحة هُلكت بحثا ومعروف مصيرها الغامض بين القوى الفلسطينية، فإن التهدئة سيكون لها شأن آخر، لأن التقدم الذي أحرزته حماس في الربط بينها وفك الحصار سوف يواجه بكوابح إسرائيلية عارمة، وظهرت بعض مؤشراته في خطاب ليبرمان، الذي رفض فيه دخول الأموال القطرية، واعتبرها موجهة إلى “إرهابيين”.

ارتاحت حماس للاستقالة، وحاولت توظيفها سياسيا، لكنها قد تجني الحصرم من ورائها، لأن ليبرمان خلط أوراق الحكومة الإسرائيلية على مستوى التهدئة وفك الحصار، ولن يستطيع نتنياهو الدخول في حوارات، مباشرة أو غير مباشرة، بشأن أي منهما، وقد تضطر حماس إلى القبول بما رفضته سابقا من السلطة الفلسطينية حيال ملف المصالحة الوطنية.

لدى الحركة الإسلامية تكتيكا مفهوما في مسيرتها، يقوم على رفض الانصياع لنتائج حوارات وقف الانقسام عندما تمتلك أوراقا مؤثرة، والعكس صحيح، ومع أنها تعتقد في حصد أرباح جيدة من التصعيد على غزة، غير أن تداعياته يمكن أن تجبرها على دفع ثمن باهظ.

ومن أهم ملامحه تليين توجهاتها نحو السلطة الفلسطينية، التي تعاني من أمراض جسيمة، وتكاد تسقط تلقائيا في حجر حماس أو حلفائها قريبا، والآن قد تعود الحركة إلى المربع الأول، لأن مردودات الغبطة باستقالة ليبرمان لن تستمر، واختصار الانتصار فيها أمر فلسطيني قصير النظر.

6